يعرف المغرب أرقاما مخيفة من حجم المديونية، ووضعية مقلقة في الاستدانة تصنفه المنظمات الدولية المختصة كثاني دولة في إفريقيا بعد مصر ضمن الدول ثقلا بالديون الخارجية. فحسب معطيات مديرية الخزينة والمالية الخارجية، التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية، فإن حجم الدين الخارجي العمومي بالمغرب بلغ 277,7 مليار درهم متم سنة 2014، مقابل 234,7 مليار درهم متم سنة 2013، أي بارتفاع قدره 18,3 في المائة ، أي زائد 43 مليار درهم.
إنها فعلا أرقام فلكية، تجعل كل ذي نسمة وطنية يقف مشدوها أمامها. ولمزيد من التوضيح، وبلغة نفس الأرقام، وبعملية حسابية بسيطة، فإذا قسمنا هذا الرقم على 34 مليون نسمة (المشكلة تقريبا للشعب المغربي)، فإن كل مواطن مغربي صغيرا كان أم كبيرا، عاملا أو عاطلا…) يدين بـحوالي ثمانية آلاف ومائة وسبعة وستين درهما (8167,64) لفائدة الجهات الدائنة.
إن كل ذلك يطرح أسئلة مقلقة عن مستقبل الوضع بالمغرب. وعلى رأس هذه الأسئلة: ماذا لو وجد المغرب نفسه في نفس الظروف والأسباب التي أدت إلى أزمة الديون في اليونان؟!
والآن؛ لنذكر ببعض حيثيات وأسباب الأزمة في اليونان، ولنقارنها بالمعطيات الخاصة بالمغرب. ففي سنة 2009، ومباشرة بعد انتخابه، كشف رئيس الوزراء اليوناني عن النسبة الحقيقة لعجز الموازنة العامة ببلاده؛ والتي بلغت آنذاك 12,7% من الناتج الداخلي الخام، عكس ما كانت تصرح به الحكومات السابقة (7%)، وكانت النسبة حينها بالمغرب 4,5% . ثانيا: إذا كانت قوانين النشاط الاقتصادي في الاتحاد الأوربي تنص على ألا يتعدى مستوى الإنفاق العمومي 3% فوق الناتج القومي الإجمالي، فقد وصل في اليونان إلى أكثر من 33,2%، واستمر الوضع على ذلك سنين عديدة؛ مما أدى إلى استنزاف مكونات الاحتياطي الاستراتيجي مثل الذهب والفضة وغيرهما، علاوة على تراكم الديون بسبب إنفاقات مبالغ فيها كما حدث في الألعاب الأولمبية لسنة 2004، حيث أنفقت أكثر من أربع (4) مليارات دولار، لم تصل مداخيل الألعاب إلى تغطية سوى جزء من ذلك المبلغ. وكما يعرف الجميع، فالمغرب سخي في الإنفاق في المناسبات الاستعراضية، ولا يسع المجال هنا للتوسع في الموضوع. وبالمقارنة مع اليونان، وفي نفس السنة 2009، فقد بلغ مستوى الإنفاق العمومي في المغرب نسبة 31,1%، ولاحظوا القرب الشديد من الرقم اليوناني.
إن نسبة الاستدانة المغربية، والأرقام القياسية التي حققتها الحكومة الحالية في التلهف على الجهات الدائنة، يعطي إشارات مقلقة في شأن وضعية البلاد الاقتصادية، وبالتالي ينظر إلى ذلك على اعتباره من العوامل المهددة لاستقرار البلاد.
إن نسبة النمو المتوقع تحقيقها خلال هذه السنة، وإن كانت إيجابية، إلا أن ذلك لايمكن التعويل عليه، لأن جودة السنة الفلاحية ليست مستقرة ولا دائمة، كما أن العوامل الأخرى المتحكمة في الاقتصاد جد متقلبة كأسعار البترول، وانتعاش السياحة، وغيرها. ثم إن التوزيع غير العادل إن لم نقل الظالم للثروة في البلاد يعتبر عاملا مؤثرا للغاية أيضا.
فإذا اجتمعت كل هذه الحيثيات، فإن تعرض المغرب لنفس ما تعيشه اليونان ليس بالأمر المستبعد. لذلك، بات على صانعي القرار والمتحكمين فيه من المسؤولين، باختلاف مراكزهم، أن يبادروا إلى أخذ الأمر بالجدية المطلوبة وبالتخطيط السليم، وترشيد النفقات، من خلال مراجعة كثير من القضايا، وخاصة توزيع الثروة، بدل إشغال المواطنين بأشياء جانبية، لأن مفعول ذلك سينتهي. وآنذاك نتخوف من أن تخرج الأمور عن السيطرة. وهذا وضع لن يرضي ولن يعفي أيا كان تحت سماء هذه البلاد.
وختاما، إذا كانت اليونان تشغل بأزمتها العالم ككل، وإذا كان الأوربيون يسعون جاهدين لإيجاد مخرج لهذه الأزمة بحكم ارتباط اليونان بهم في الوحدة النقدية الأوربية، فإن الوضع يختلف في المغرب، الذي ليس له سوى الاعتماد على نفسه، خصوصا أن لديه نوع من الجيران لاينتظر سوى فرصة سقوطه، وهذا هو اليوم الذي يجب تفاديه كيفما كان الثمن.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ