ماذا جرى،محمد والضحى باحث في الموارد البشرية

تعتبر الإشكالية التي يطرحها نظام الأجور بقطاع الوظيفة العمومية، من أكثر الإشكاليات التي لم يتم بعد دراستها بالجدية والأهمية التي يستحقها ، فمنذ الثمانينات وهذا الملف يتم تأجيل البحث فيه، وبعد دراسات ودراسات مايزال عمر الانتظار متواصل.
لا يختلف اثنان حول الاختلالات التي تعتري منظومة الأجور الحالية، بسبب غياب سياسة واضحة في هذا المجال. فبالرغم من التأطير القانوني لهذه المنظومة إلى أن نقلها من النص إلى التطبيق يجسد واقعا آخر بسبب تعدد أنظمة التعويضات النظامية المخولة للموظفين. وفي هذا الإطار، فإن أهم إصلاح عرفه هذا المجال هو الذي تم سنة 1973 والذي حدد مكونات الأجرة النظامية، ومع توالي السنوات وتحت ضغط الفرقاء الاجتماعيين كان دائما يتم تبني حلول جزئية ذات طابع فئوي، نتج عنها في الأخير تعدد الامتيازات بحسب تعدد أنظمة الموظفين. كما ان هناك إشكالية أخرى تتمثل في المكافاءات التي تمنحها بعض الإدارات لموظفيها (وزارة المالية نموذجا) في شكل تعويضات جزافية تحت مسميات مختلفة، وما يسجل حول هذا الموضوع هو غياب شرعية قانونية لصرف غالبية هذه التعويضات، مما أدى إلى بروز إدارات تعيش في بحبوحة من النعم وأخرى في ضيق من العيش ليس لها إلا التمني، وهو ما ينعكس على مدخول موظفي كل إدارة على حدة. وهذه الوضعية تدفع بغالبية الموظفين إلى البحث عن العمل بإدارات معينة لجاذبية التعويضات التي تخولها لموظفيها.
لقد أكدت عدة دراسات تشخيصية بأن التعويضات فقدت الهدف من إقرارها، باعتبارها أداة لتشجيع المردودية والفعالية في الأداء، كما أن هذه السياسة المتبعة لأزيد من 40 سنة أدت إلى تفاوت كبير في الأجر ما بين الموظفين مرتبون في نفس المستوى التسلسلي، إذ تجد مهندسا يقوم بنفس المهام الموكولة لمتصرف لكنه يتقاضى أجرا أكثر منه، ليس بسبب وجيه سوى انتمائه الفئوي، دون اي اعتبار للمردودية والكفاءة أو لصعوبة المهام وحجمها والأخطار المترتبة عنها، مما ساهم في تعميق هوة الاختلالات بشكل كبير ترتب عنها احيانا قلائل اجتماعية لأكثر من مرة. لقد تم الإعلان خلال السنوات الماضية على أن هناك دراسة قائمة ، تتكون من 3 مراحل تروم وضع منظومة جديدة للأجور، محفزة ومنصفة وشفافة، ترتكز على الاستحقاق والمردودية، وعلى تعويض الموظفين على أساس العمل المنجز فعلا.وانه على إثرها سيتم اتخاذ قرارات مهمة بشأن إصلاح منظومة الأجور. وإذا كان هاجس الحكومة اليوم التحكم في كتلة الأجور، فإنه الهاجس المالي مازال يهيمن على توجهاتها الإصلاحية، في حين تقتضي المرحلة الحالية القيام بإصلاح شمولي لمنظومة الأجور يهدف إلى إقرار مبدأ العدالة والإنصاف بين مختلف فئات موظفي الدولة بناء على توصيف واضح ودقيق للمناصب، ويتم على أساسه تخويل الأجر المطابق للمهارات والكفاءات وصعوبات العمل والمسؤولية والمخاطر المحتملة مع إعادة النظر في مكونات الأجرة واعتماد سياسة لتحسين الأجور بشكل مستمر تراعي ارتفاع مستوى المعيشة، وعدم اعتماد أنظمة الترقي كآلية لتحسين الأجور، ومع هذه المتمنيات سنظل ننتظر الإصلاح الموعود الذي قد يأتي أو لا يأتي…