موقف اليوم: المكائد الطريفة بين الصحابة تضحك الرسول صلى الله عليه وسلم .

أخرج الإمام أحمد عن أم سلمة رضي الله عنها (واحدة من زوجات النبي) أن أبا بكر رضي الله عنه خرج تاجرا إلى بصرى، (وهي مدينة بالشام) ومعه نعيمان بن عمرو وسويبط بن حرملة رضي الله عنهما، وكلاهما بدري (أي شارك في غزوة بدر الكبرى الذين قال فيهم الرسول الكريم “…لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْر، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ“)، وكان سويبط على الزاد (أي أنه مكلف بكل ما يتعلق بالأكل في الرحلة)، فقال له نعمان: أطعمني! قال: حتى يجيء أبو بكر، وكان نعيمان مضحاكا مزاحا، فذهب إلى ناس جلبوا ظهرا فقال: ابتاعوا مني غلاما عربيا فارها؟ (أي هل تشتروه؟)قالوا: نعم، قال: إنه ذو لسان، ولعله يقول: أنا حر، فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوني لا تفسدوه علي! فقالوا: بل نبتاعه، فابتاعوه منه بعشر قلائص، (الإِبل الفتيَّةُ المكتملة الخَلْق). فأقبل بها يسوقها، وقال: دونكم هو هذا! فقال سويبط: هو كاذب، أنا رجل حر! قالوا: قد أخبرنا خبرك، فطرحوا الحبل في رقبته، فذهبوا به فجاء أبو بكر فأخبر، فذهب هو وأصحابه إليهم، فردوا القلائص وأعادوه، ثم أخبروا النبي – صلى الله عليه وسلم – بذلك فضحك هو وأصحابه منها حولا.

وجاء أعرابي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فدخل المسجد وأناخ ناقته بفنائه، فقال بعض أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – لنعيمان بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه، وكان يقال له: النعيمان: لو نحرتها فأكلناها، فإنا قد قرمنا إلى اللحم (أي اشتهينا)، ويغرم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثمنها، فنحرها النعيمان، ثم خرج الأعرابي فرأى راحلته فصاح: واعقراه يا محمد! فخرج النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: من فعل هذا؟ قالوا: النعيمان، فأتبعه يسأل عنه، فوجده في دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب رضي الله عنه قد اختفى في خندق وجعل عليه الجريد والسعف، فأشار إليه رجل ورفع صوته يقول: ما رأيته يا رسول الله، وأشار بإصبعه حيث هو، فأخرجه رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وقد تغير وجهه بالسعف الذي سقط عليه، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: الذين دلوك علي يا رسول الله هم الذين أمروني، فجعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يمسح عن وجهه ويضحك، ثم غرمها رسول الله – صلى الله عليه وسلم.

الخلاصة أو الحكمة: قد تبدو هاتان القصتان مبالغ مزاحهما؛ فالأمر يتعلق بالقفز على رجل حر وبيعه من طرف صديقه، وفي الحالة الثانية، أخذ ناقة ليست للشخص وذبحها وأكل لحمها مع الجماعة. قد يعتقد الإنسان أن جدية النبي صلى الله عليه وسلم تحتم عليه إصدار عقوبة على أصحاب المزحتين. لكنه يعرف طبيعتهما النفسية المرحة، ولذلك اكتفى بعلاج الموقف واسترضاء المتضرر، بعد أن ضحك من طرافة الموقف. السرقة بمفهومها الحقيقي لا تدخل في مجال مثل هذه القصص. وهناك من الناس في المجتمعات من هو مشتهر وسط قومه بمثل هذه المكائد والدعابات الطريفة، والناس لايؤاخذونهم عنها، بل يضحكون قائلين: هل دريتم فعل فلان لفلان؟!!! ثم يتناقلونها بينهم للضحك والمسامرة. والخلاصة أن الأذية إذا كانت غير مقصودة لطابعها القاسي المؤثر، فلا بأس لكون الضحك منها يعزز التلاحم بين أفراد المجتمع.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ