ماذا جرى، مريم النفزاوية

اثارت مسألة إقفال الولي الصالح الموجود بمنطقة السراغنة المنعوت ب”بويا عمر” ، الكثير من ردود الفعل المحبذة لهذه الخطوة التي اعتبرت جريئة من طرف الوزير الحسين الوردي.
نحن أيضا صفقنا لها في “ماذا جرى”، و قمنا بالتغطية الإعلامية الموضوعية التي تلزمنا بها المهنة الإخبارية.
لكن دعوني أقول شيئا أعتبره اساسيا، فالمرضى النفسيون يعانون في كل المغرب من سوء المعاملة، وضعف المستشفيات النفسية، وقلة الأطباء المتخصصين. و كنا نود أن يصدر الوردي مخططا واضحا لتقوية البنيات التحتية للمستشفيات النفسية، قبل ان يخرج علينا بحملته الجريئة التي تخيلتها شخصيا معركة من معارك الزمن الغابر.
وسأتقاسم معك عزيزي القارئ شعوري الشخصي حين صرخ الوزير الوردي بالبرلمان”غير أنا ولا بويا عمر”، وذهب بفيالقه ليفرغ المزار من مرضاه، لقد تصورت الحسين الوردي هو “دون كيخوتي دي لا مانتشا”؛ ذلك المقاتل النبيل في رواية الأديب الإسباني “ميغيل دي سيرفانتيس”.
و”دون كيشوت” هذا كما يسميه العرب، رجل نبيل يقيم في قرية صغيرة، و يحب الفروسية والشهامة إلى حد لم يجد لها مجالا في قريته، فهجر الطعام والنوم، وقرر مغادرة القرية للبحث عن مكان يمارس فيه بطولاته. فحمل درعا قديما، وارتدى خوذة بالية، و تسلح بسيف من خشب، وامتطى حصانا نحيفا أنهكه الجوع. وأخذ “دون كيشوت” يتجول عبر البلاد، محولا العالم الذي يحيط به من نباتات و اشجار صغيرة إلى أعداء وهميين يواجههم بسيفه الخشبي “البتار”، فلقبه أهل زمانه بـ “فارس الظل الحزين”.
معذرة سيدي الوزير، انا تقاسمت معك مشاعري وخيالي فقط، لأنني أعرف جيدا أن عدد المغاربة المصابين بأمراض نفسية التي قد تتحول الى أمراض عقلية، يصل إلى النصف تقريبا، أي حوالي 49 في المائة حسب إحصائيات وزارتكم لسنة 2012، و التي انجزتموها في دراسة ميدانية مع منظمة الصحة العالمية.
أما ما توفره وزارتكم لنصف المغاربة المرضى نفسيا فهو 160 طبيبا و 1950 سريرا فقط.
وأنتم تعرفون يا وزير الصحة أن المغاربة يخجلون من مثل هذه الأمراض، بل يخفونها ويتسترون عليها. وبالتالي، فكم عدد البيوت التي تحضن مريضا نفسيا، يعاني في صمت او في ألم، دون ان تطاله رعايتكم او حملتكم “النبيلة”؟.
كثير سيدي الوزير، و ما بويا عمر إلا نموذجا مصغرا لسوء معاملة المرضى النفسييين، لأن بويا عمر البودالي، أصبح يسكن نصف البيوت المغربية، ولا يمكن لشهامتك أن تحارب المرض بسيف من خشب.