موقف اليوم: ثقل الرسالة ومهمة بناء المجتمع لا يلغيان الترويح عن النفس.

من خلال آيات القرآن العظيم، والسيرة النبوية العطرة، فإن الصورة التي يكونها المسلمون في أذهانهم عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وباعتباره أحسن وأكمل بشر طلعت عليه الشمس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لابد أنها تحمل أوصاف الجدية والحزم، والشجاعة، والتفكير التخطيطي، والشورى، والشدة في أوقاتها، والرأفة والرحمة كذلك، وهذا وفق متطلبات الرسالة العظيمة والأمانة العريضة التي كلفه الله تعالى بها. لكن قليلا من الناس يعرفون جانبا آخر في شخصية هذا الرجل العظيم؛ إنه جانب الدعابة والمزاح البريء، ومن ذلك الواقعتين التاليتين:

جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – يستحمله، (أي يطلب منه أن يحمله على إحدى الدواب في طريق مسيرهم) فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم – ممازحا: “إنا حاملوك على ولد ناقة”، فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد ناقة؟ (وكان العرب لايركبون الجمال الصغيرة لكونها غير مستحملة للأثقال، وكونها غير ثابتة في مشيها) فقال الرسول – صلى الله عليه وسلم: “وهل تلد الإبل إلا النوق؟! أخرجه البخاري في الأدب المفرد.

وبينما كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه يوما، إذ سألهم: “ما تشبه رجلي هذه ؟” فاجتهد كل واحد منهم في تقديم ما يعتقد أنه الجواب. فلما انتهوا جميعا من تقديم تخميناتهم، قال لهم:” إن رجلي هذه تشبه الرجل الأخرى!!” .

الخلاصة أو الحكمة: ليس هناك على الإطلاق أية مهمة صعبة الأداء مثل مهمة تبليغ الرسالة الإسلامية، وذلك لاعتبارات كونها أخيرة، وشاملة، وجامعة. وأمر ثقيل ومرهق كهذا، يتطلب إقناع البشر والتأليف بينهم: القريب والبعيد، وبناء مجتمع على أسس جديدة، ومحاربة الفكر القديم والنزعات التسلطية، وتأمين مستلزمات الحياة لأفراد المجتمع الجديد، وغيرها مما يعني: تعب وراء تعب، وتأهب فكري وجسدي متواصل. وكل ذلك يجعل وجود فترة للعب والتسلية أمرا غاية في الندرة. لكن الرسول الكريم أدرك القيمة الكبرى للترويح عن النفس، وقوة تأثيرها في إنجاح مهمته الرسالية، فلا يترك فرصة في ذلك إلا اغتنمها لزرع شيء من الدعابة والمزاح الخفيف بين أصحابه الجادين والمنهمكين في البحث فيما يرضي الله ورسوله في كل خطوات وأفعال حياتهم اليومية. لقد صدق من سماه رؤوفا رحيما. إنها الصفة التي يحتاج إليها كثير من المسؤولين عن شؤون الناس في زماننا الأغبر هذا.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ