موقف اليوم: بين الحزم القانوني والرأفة بالذات .

اليوم سنقوم برحلة خفيفة بين موقفين نبويين؛ الأول من سيدنا يوسف بن يعقوب، والثاني؛ من سيدنا محمد بن عبد الله، صلى الله وسلم عليهم جميعا.

إن قصة سيدنا يوسف، التي يعتبرها القرآن الكريم “أحسن القصص”، من أول القصص التي يتعرف عليها المسلمون في قراءاتهم القرآنية، في العصر الحالي وذلك بالنظر لسهولة أحداثها، وسلاسة الأسلوب القرآني فيها، ثم لكونها محط قراءات قرآنية جميلة لكبار المقرئين وخاصة الشيخ المشمول برحمة الله تعالى، محمد عبد الباسط عبد الصمد وغيره، حيث تحببها في أسماع الناس.

وإذا كانت الأحداث الكبرى للقصة معروفة للجميع، فهناك بعض التفاصيل الدقيقة التي لقد لا يلتفت إليها القارئ العادي للقرآن الكريم. ومنها الموقف الذي سنتناوله اليوم.

فعندما جاء رسول الملك إلى يوسف في السجن ليخرجه من زنازنه، بعدما قام بتفسير حلم الملك، وتقديمه لخطة العمل الواجب اتباعها تحضيرا لسبع سنوات القادمة من الجفاف، لم يكن سيدنا يوسف من أمثال الكثيرين من الناس الذين يغتنمون أول فرصة تتاح لهم ليخرجوا من السجن، مهما كان الثمن. لقد كان موقف سيدنا يوسف جازما وصريحا، فقال لمبعوث الملك: “ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ: مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ، إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ”. إن يوسف متأكد أنه دخل السجن ظلما، وبتهمة باطلة، ولذلك يجب أن يخرج من السجن باعتراف الدولة أنه مظلوم ثم ترفع عنه التهمة، وآنذاك فقط يقبل أن يخرج مرفوع الرأس. وهكذا رفض الخروج مباشرة، وطلب من مبعوث الملك أن يعود إلى سيده ويطلب منه ما يمكن أن نسميه بلغة عصرنا إعادة فتح ملف القضية، وذلك بإحضار ومساءلة النسوة اللاتي قطعن أيديهن، فهن من سمعن زوجة عزيز مصر تعترف صراحة بكونها المسؤولة الوحيدة عما حدث. فقد قالت لهن حين جمعتهن في بيتها: “.. ولَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ”. وكذلك كان؛ فقد قدمن شهادتهن الصريحة: “قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ.. ۚ قَالَتِ امْرَأَة الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ.” وهكذا انتهت القضية بإعادة الاعتبار لسيدنا يوسف، بعدما قضى سبع سنوات في السجن ظلما. وهذا ما يجرنا إلى الموقف الثاني؛ موقف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

يقول النبي الكريم: ” لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي لَأَجَبْتُهُ “.  وفي رواية أخرى: ” يَرْحَمُ اللَّهُ يُوسُفَ؛ إِنْ كَانَ ذَا أَنَاةٍ، لَوْ كُنْتُ أَنَا الْمَحْبُوسُ، ثُمَّ أُرْسِلَ إِلَيَّ لَخَرَجْتُ سَرِيعًا، إِنْ كَانَ لَحَلِيمًا ذَا أَنَاةٍ “؛ ذلك أن المنطق يقول أن يوسف شخصيا متأكد من براءته، وقد قضى مدة العقوبة. لكن تبرئته رسميا من الدولة أهم في نظره؛ لأن مسؤولياته بعد ذلك في الملك وأمانة حكم مصر تستوجب التمتع بسمعة صافية ومحترمة. لكن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الخاتم والمعصوم والذي لاينطق عن الهوى، يرى باستعجال الخروج من السجن مهما كانت أقوال الناس مادامت البراءة متوفرة من فوق سبع سموات. أما الناس فلا يمكن لأي أحد أن يرضيهم جميعا. ألم يقولوا عن النبي نفسه كل شيء: ساحر، مجنون، ومع ذلك انتشرت الدعوة؟!

بقي أمر هام وبسيط؛ لماذا مكث سيدنا يوسف كل تلك المدة في السجن ولم تتم إثارة ملفه إلا بعد مضي 7 سنوات؟ الجواب عند سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” رَحِمَ اللَّهُ يُوسُفَ، لَوْلَا الْكَلِمَةُ الَّتِي قَالَ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ”. فقد كان قال يوسفرلسجين معه ثبتت براءته وتقرر إطلاقه وإعادته لمهمة الطباخ عند الملك: “اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك”؛ أي تحدث في شأن قضيتي مع سيدك. وهذا هو ما اعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خطئا؛ حيث كان على يوسف التوجه مباشرة إلى صاحب الأمر: الله تعالى. كي يفك سجنه ويعيد اعتباره.

الخلاصة أو الحكمة: الحيطة والحذر لاتوقف مسار القدر. والليل مهما طال، فلا بد من طلوع الفجر.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ