موقف اليوم: قيمة الإنسان بعمله وخفة روحه، لا بجسده وغناه.

أخرج الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهرا، وكان كلما جاء إلى المدينة أتى للنبي – صلى الله عليه وسلم – بهدية من البادية، فيجهزه النبي – صلى الله عليه وسلم – أي يزوده بحاجياته حين يريد أن يعود لباديته،  فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “إن زاهرا باديتنا ونحن حاضروه”، (أي أن الرجل يجسد العالم القروي بالنسبة لنا، ونحن بالنسبة له نمثل العالم الحضري).  وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يحبه، وكان رجلا دميما (أي أن منظره قبيح وغير وسيم)، فأتاه رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، والرجل لايبصره ، فقال: من هذا؟ أرسلني! (أي اتركني)  فالتفت فإذا به يجد النبي – صلى الله عليه وسلم -، فظل يحرص على أن يبقى ظهره ملتصقا بالصدر الطاهر للنبي أطول مدة ممكنة. ثم أخذ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “من يشتري العبد؟” وكان في ذلك الوقت يباع العبيد والإماء في الأسواق، قبل أن ينهي الإسلام الرق. فقال الرجل ضاحكا: يا رسول الله! إذن والله تجدني كاسدا. فقال: رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:”لكن عند الله لست بكاسد”، أو قال: “لكن عند الله أنت غال”.

وفي رواية أخرى، قال الإمام علي رضي الله عنه: إن رسول الله ( صل الله عليه وآله وسلم ) كان يأتيه الأعرابي فيأتي إليه بالهدية، ثم يقول مكانه: أعطنا ثمن هديتنا..  فيضحك رسول الله ( صل الله عليه وآله وسلم ). وكان إذا اغتم (أي شغله أحد الهموم لدرجة الحزن)، يقول: ما فعل الأعرابي ليته أتانا.

الخلاصة أو الحكمة: كثير من الناس يحتقرون أشخاصا؛ إما لفقرهم، أو لضعف أو عيب خلقي في صحتهم، دون أن يعيروا الاهتمام لقوة إيمانهم وثباتهم على الحق، أو تميزهم بخفة الروح التي تدفئ العلاقات الإنسانية. لقد كان الصحابي الجليل عمرو بن الجموح رجلا أعرجا؛ شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد، يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كل خرجاته الحربية. ومع ذلك كان موقفه يوم معركة أحد الكبرى غنيا عن كل تعليق. فقد أراد أولاده أن يحبسوه عن المشاركة، وقالوا له: إن الله عز وجل قد عذرك. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروج معك فيه. فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك. وقال لبنيه: ما عليكم أن لا تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة. وفي خضم المعركة، عاد عمرو ليسأل النبي: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ قُتِلَ اليوم دَخَلَ الْجَنَّةَ؟!، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي حَتَّى أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وكان عمر بن الخطاب يتابع المشهد، فقال: يَا عَمْرُو لا تَأَّلَ عَلَى اللهِ، فرد النبي صلى الله عليه وسلم: مَهْلاً يَا عُمَرَ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبرَّهُ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ، يَخُوضُ فِي الْجَنَّةِ بِعَرْجَتِهِ. وكذلك كان. فقد قاتل حتى استشهد هناك. وأكيد أنه يطأ في الجنة بعرجته.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ