بالتأكيد لا يمكن اختزال زيارة دولة عملاقة كالصين في مقال، فلم تكن زيارتي لها مجرد دورة متقدمة في الاعلام المتجدد والمتطور فقط ، بل لاكتشاف الصين من زاوية أخرى حقيقية ، سمعت وشاهدت واطلعت خلالها على منجزات ونقلة كبيرة خلال مدة لا تتجاوز أربعين عاما من العمل والإنجازات العملاقة والمتطورة ، بعد فترة الفقر والجوع وكثير من العقبات، دولة وشعب طموح ، خلق للعمل ، وهدفه ان يكون في المقدمة وزعامة العالم برؤيته الجديدة مبادرة “الحزام والطريق”.

مشاهد صادمة لا تصدقها ، كيف كانت بالأمس قبل عام 77 ، وماهي عليه اليوم من نهضة عملاقة في كافة المجالات ، من دولة تعاني الفقر الشديد وانتشار الامراض وبنية تحتية ضعيفة جدا في السبعينيات القرن الماضي، لعهد جديد ونهضة صينية شاملة شملت كافة المناطق والمدن بدءا بالاهتمام بالتعليم والإصلاح الزراعي في المقام الأول وتقديس الوطن وهو معيار الانطلاقة الحقيقة للنهضة الصينية في عهد الرئيس ماو تسي تونغ..!

الصين ليست كما زرتها لأول مرة في أغسطس 2008م ، لقد تحولت لاكبر دولة دولة مصدرة في العالم ومن الدول الصاعدة (البريكس) ، وتتطلع إلى آفاق أرحب في كافة المجالات ناسية مشاكلها القديمة وتفكر بالحاضر والمستقبل. فهي المارد الحقيقي القادم بقوة ، الذي تنبه إليه نابليون بونابرت وحذر العالم منه بقوله: “ويل للعالم لو تحرك المارد الأصفر”. ونحن نقول ان المارد اصبح قويا وواثقا من قدراته وامكانايته وصناعته ومستقبله..!

حزب وبلد وشعب واحد ، صناعة مزدهرة ومتنوعة ، وأكثر دول العالم في التنوع الزراعي ، صنع معجزة في وقت قياسي في عهد “ماو” وهي أعظم معجزة في التاريخ. وبغض النظر، عن حكم الصين ونظامه، إلا أن ما حدث في الصين يؤكد أن هذا البلد العملاق بسكانه الذي يناهز عددهم ربع سكان العالم ، استطاع ان يصنع معجزة في النظام والقانون والمعيشة والامن والأمان ويحقق الرفاهية والتنمية والازدهار ، تخيلوا معي الطرقات بلا زحام ، كل المواد الغذائية متوفرة في الأسواق وفي متناول الجميع . ونظام التعليم من أهم أسباب المعجزة الصينية.

عدت من الصين بعد 21 يوما قضيتها بين العاصمة المزدهرة بيجين (بكين) وهانغشتو السياحية ، وقد زرت مسبقا جوانزو التجارية وشنغهاي الصناعية، عدت منبهرا لما رأيت هذه المرة ، فالذي حقّقته الصين في عهد الرئيس الإصلاحي “دنغ شياو بينغ (78 ـ 92) يعد معجزة ، فعظمة هذا البلد لا تكمن فقط في تاريخه وحضارته ، ولا في سوره العظيم وغيره الكثير ، بل في عظمة شعبه وتجانسهم ووحدتهم لبناء بلدهم من الصفر للقمة.

في الصين لهم ادواتهم الخاصة بالتعامل مع التواصل الاجتماعي، فلهم فايسبوكهم وجوجلهم، وواتسابهم واعلامهم ، ولا ترى خصومه في الشارع ولا شرطة ، مدن نظيفة وساحات خضراء ومواصلات منظمة وطرقات واسعة ، شاهدت وسمعت من المحاضرين الكبار ان بلادهم يفتحون اذرعهم لاستتقبال العرب والتعاون والتعامل معهم.

كل شيء تغير في الصين ، حتى يمكن تبديد الشائعات بان هذا المنتج (صيني) لان المنتج والسلعة الصينية أصبحت ذات جودة وثقة ومواصفات ومصداقية ، وما زلت أتذكر مقولة لاحد الاساتذة الصينين عندما ضرب مثلا ” فقال .. دخلت شركة صينية في منافسة للاستحواذ على مشروع في دولة عربية مع شركة اجنبية ، ثم رست المناقصة على الشركة الأجنبية رغم ان السعر الصيني المقترح نصف المبلغ ، والجودة والمواصفات والضمانات الصينية افضل بكثير ، ولكنها العقدة والشائعة (انها صينية) فكسبت الشركة الأجنبية واستلمت تنفيذ المشروع الذي كان ثلاثة ارباعة منتجات صينية في الواقع ..!

الصين الأقرب للعرب .. وتربطنا معها علاقات تاريخية ومواقف إنسانية ، ودولة ذات سياسة خارجية مستقلة، فالتقارب معها ، شيء مهم ، فكما يتعرض الاقتصاد الصيني للشائعات والترويج السيء ، فان الحكومة والقيادة الصينية تعمل الان على حلّها، من خلال مبادرة (الحزام والطريق ) واستراتيجية (3+2+1) المتعلقة بالطاقة ، وتسهيل التبادل التجاري والاستثمار والمجالات الثلاثة الواعدة.. هناك تغيرات ستحدث لهذا العملاق القادم بقوة ، فعلينا ركوب القطار والتمسك به ، قبل ان يفوت ونظل متمسكين بالعقدة والشائعة انه “صيني” .

فلم يَشهد طريق الحرير القديم أية حروب أو مواجهات برغم أنه عاش حقبة طويلة، ومثل ما كان “ماو” مؤمناً بقدرة الصين على أن تكون قوة كبرى في العالم، ها هو الشيء نفسه يَنطبق على الحالة الراهنة اليوم لمبادرة الرئيس الحالي ” شي جين بينج” (الحزام والطريق).

وستظل التجربة الصينية رائدة في التقدم والنماء وعلامة بارزة ، وبعد أن كانت دولة فقيرة يعاني سكانها الجوع والمرض وتدني مستويات المعيشة والخدمات الصحية والاجتماعية أصبحت دولة متقدمة فهي ثاني أكبر اقتصاد عالمي، وتحسنت بشكل مذهل. وها هو “شى بينج”، يقود الدولة الصينية ذات الحضارة العريقة إلي المزيد من التقدم والرقي والازدهار وان تكون الدولة الأولى في العالم في كافة المجالات.

د. احمد بن سالم باتميرا