بقلم: الأستاذ عبد العزيز الرماني

في الزمن الماضي، قرأت كثيرا عن أولئك الذين غضبوا من الإمام الحاكم وعاتبوه او زجروه أحيانا، وقرأت أيضا عن أولئك الذين غضبوا من ربهم، وكيف تعامل الحكام معهم..
ووجدت أن التاريخ العربي أرحم من الحاضر العربي، أقصد أن التاريخ الإسلامي أرحم من الحاضر الإسلامي من بوابة الاجتهاد والفتوى والتسامح”.
ونتابع سلسلتنا الرمضانية الأسبوعية في موقع “ماذا جرى”، بمزيد من التوضيحات حول سماحة الإسلام ولطفه في مواجهة أقوال شفاهية او ابيات شعرية أو مواقف اندفاعية أو تهورية غير مدروسة.
لم يحكم الإسلام في اوجهه وعزته بذبح البشر أو إحراق الأحياء بالرغم من كثرة الاختلافات والمنازعات والمآخذ والمناوشات.
فالنبي محمد لو حاسب عمر عن افعاله لما كان عمر أعدل الخلفاء، ولو حاسب خالد بن الوليد لما كان خالد أشجع المدافعين عن الدين لما وصف بسيفا الله المسلول.
نحطا الرحال في الجزء الثالث عند الشاعر الحطيئة الذي كان هجاء في شعره وقاسيا بلسانه.
ولعل شعر الهجاء كان جد منتشر في الجاهلية، وكان وسيلة للبعض للدفاع عن أنفسهم وأعراضهم وقبيلتهم،كما تخذ وسيلة للكسب والابتزاز كما هو حال بعض الصحف والمواقع في زمننا اليوم.
وحين جاء الإسلام بسماحته وصفاء مقاصده خفت شعر الهجاء وتبخرت قسوته وتم الاقتصار عليه في الدفاع عن العقيدة والرد على المناوئين والكفار.
والشاعر المخضرم الحُطَيئَة الذي توفي بعد الهجرة ب 45 سنة لم تسلم من الهجاء أمه ولا زوجته ولا حتى نفسه، فقد وهب نفسه ولسانه للقذف والتشهير لأبناء قومه وقبيلته..
وقد قيل عن الحطيئة الكثير، ومما قيل أنه فاسد العقيدة لأنه ارتد في لحظة طيش وتهور قبل أن يعانق الدين من جديد، وقيل انه ضعيف الطوية والصحبة ، ولم يثبت أن النبي قبل وفادته او صحبته، ولكن عمر سجنه ولم يطلق سراحه إلا حين استعطفه ورجاه بشعر رقيق:
مَاذَا تَقُولُ لأَفْرَاخٍ بِذِي مَرَحٍ * * * زُغْبِ الْحَوَاصِلِ لا مَاءٌ وَلا شَجَرُ
أَلْقَيْت كَاسِيَهُمْ فِي قَعْرِ مُظْلِمَةٍ * * * فَاغْفِرْ عَلَيْهِ سَلامُ اللَّهِ يَا عُمَرُ
وقد هجا الحطيئة قومه حين قال:
فإن يصطنعني اللّه لا أصطنعكمُ * * * ولا أعطكم مالي على العثراتِ
لَعَمْرِي لقد جَرَّبْتُكُمْ فَوَجَدْتُكُمْ * * * قِبَاحَ الوُجُوهِ سَيِّىء العَذِرَاتِ
وقد وصف زوجته بأقبح النعوت حتى قال أن الشيطان لو رأى قبحها لتعوذ منها:
لَهَا جِسْمُ بُرْغُوثٍ وَسَاقُ بَعُوضَةٍ * * * وَوَجْهٌ كَوَجْهِ الْقِرْدِ بَلْ هُوَ أَقْبَحُ
تَبْرُقُ عَيْنَاهَا إذَا مَا رَأَيْتَهَا * * * وَتَعْبِسُ فِي وَجْهِ الْجَلِيسِ وَتَكْلَحُ
لَهَا مضحك كَالْحَشِّ تَحْسِبُ أَنَّهَا * * * إذَا ضَحِكَتْ فِي أَوْجُهِ النَّاسِ تَسْلَحُ
إذَا عَايَنَ الشَّيْطَانُ صُورَةَ * * * وَجْهِهَا تَعَوَّذَ مِنْهَا حِينَ يُمْسِي وَيُصْبِحُ
وقال في أبيه وعمه وخاله:
لـحـاك الله ثــم لـحــاك حـقـا * * * أبـا ولحــاك مـن عـم وخــال
فنعم الشيخ أنت لدى المخازي * * * وبئس الشيخ أنت لدى المعالي
أما امه فقد دعا لها بالموت العاجل، فهي لا تكتم سرا ولا ترضي جليسا:
تَنَحِّي فَاجْلِسِي عَنِّي بَعِيدًا * * * أَرَاحَ اللَّهُ مِنْك الْعَالَمِينَا
أغربالا إذَا اُسْتُوْدِعَتْ سِرًّا * * * وَكَانُونَا عَلَى المتحدثينا
حَيَاتُك – مَا عَلِمْت – حَيَاةَ سُوءٍ * * * وَمَوْتُك قَدْ يُسِرُّ الصَّالحينا
وحينما تاهت به السبل بعد أن اشترى عمر لسانه وهدد بقطعه إن هو عاد لمس الناس في صفاتهم وأعراضهم، لم يجد الحطيئة من يهجي فالتفت إلى نفسه بعد ما رأى وجهه في بركة ماء:
أَبَتْ شَفَتَايَ الْيَوْمَ إلا تَكَلُّمًا * * * بِسُوءٍ فَمَا أَدْرِي لِمَنْ أَنَا قَائِلُهُ ؟
أَرَى لِي وَجْهًا قَبَّحَ اللَّهُ خَلْقَهُ * * * فَقُبِّحَ مِنْ وَجْهٍ وَقُبِّحَ حَامِلُهُ
واستمر عناد الحطيئة حتى لحظة وفاته وهو يحتضر، والناس حوله يبكونه ويرجونه التوبة إلى الله قبل الوفاة، وأن يوصي بما ينفعه في آخرته، فذكرهم بأشعر شعراء العرب، وبأبياتهم في الهجاء والتجريح.
وحين رأى المحيطون به أن لا فائدة من نصحه، سأله عما يوصي به الفقراء ؟ فقال : “أوصيهم بالإلحاح في المسألة، فإنها تجارة لا تبور”. وسأله مرة أخرى : وبماذا توصي اليتامي؟ قال: “أنصحكم أن تأكلوا أموالهم وتتزوجوا أمهاتهم”.
وفي الأخير سأله القوم عن طلبه إن كان له طلب فأجابهم:
“احملوني على بغل، واتركوني راكبها حتى أموت،فالبغل مركب لم يمت عليه كريم قطن وحين حملوه فوقها انشد آخر أبياته يذكر بلؤمه وهجوه لبنيه وزوجته ووفاته فوق ظهر بغلة أو حمار:
ياويح القوم من حطية
هجا بنيه وهجا الُمرَيَّـه
من لؤمه مات على فُريَّه
هكذا عاش الحطيئة هجاء في أعز فترة في تاريخ الإسلام وهي مجئ الإسلام ورسوله الكريم وعهد الخلفاء الراشدين، فتركوه تائها على الأرض، يقول ما يحلو له، وهي ابدع صورة في التاريخ للتسامح والصبر والحرية، والحق في العيش والحياة.
وإلى اللقاء في الجزء القادم.