====

في ظل روحانيات هذا الشهر الفضيل العبقة، التي تطهر النفس وتزكي الروح، يكون الإنسان المسلم العادي مدعوا أكثر إلى الجدية وإلى تغييب الجانب الفكاهي، وخاصة ما يدخل في جارح الكلام وساقطه وفاحشه. ومن هنا جاءت فكرة هذه السلسلة، وفيها سنحاول أن نغوص في أعماق تاريخنا، ونعرض بعضا من مواقف السلف؛ والتي رغم طابعها الخفيف المضحك، فهي تفيض حكمة وبلاغة. فالمسلم خفيف الظل، محبب العشرة، يخالط الناس  ويمازحهم عندما يحسن المزاح وتلطف المداعبة، بحيث لا يغلو ولا يؤذي. فمزاحه هو المزاح المشروع السمح الذي لا يخرج به عن دائرة الحق، كما كان شأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام في مزاحهم ومداعبتهم، فقد أوثر عن الصحابة أنهم قالوا للرسول الكريم: إنك تداعبنا، فقال:”إني لا أقول إلا حقا”. فالرسول كان يمزح، ولكنه كان لا يقول في مزاحه إلا حقا، وكذلك كان الصحابة الكرام، ومن قبلهم، ومن بعدهم كثير من الناس في تلك المناطق المحببة إلينا. ولهم في المزاح والمداعبة أخبار طريفة، يستعرض هذا الركن الذي نرجوه أن يصاحبنا طوال الشهر الفضيل، بعضا منها.

 

 

موقف اليوم: النصيحة والنهي بالمزاح اللطيف عوض الزجر القهري.

 روى الطبراني وابن عساكر عن الصحابي الجليل، خوّات بن جبير، رضي الله تعالى عنه قال: نزلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم مرّ الظّهران (وادي قرب مكة)، فخرجت من خبائي (أي من خيمتي)، فإذا نسوة يتحدثن، فأعجبنني، فرجعت، وأخرجت حلّة لي، فلبستها، ثم جلست إليهن، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبّته، فقال: “أبا عبد الله ما يجلسك إليهن؟” قال فهبت رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي خفت خوف وقار وهيبة) واختلطت (أي اختلطت علي الأمور فلا أدري بما أجيب)، وقلت: “يا رسول الله جمل لي شرود فأنا أبتغي له قيدا”، (أي أن جملا لي شرد عن رفاقه وأنا أريد أن أربط رجليه حتى يبقى مع الآخرين). قال: “فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبعته، فألقى إلي رداءه، ودخل في الأراك، (وهو شجر صغير كثيف، من السنة أن يمرر المسلم عودا منه بفمه قبل الصلاة- إذا توفر) فكأني أنظر إلى بياض قدميه في خضرة الأراك، فقضى حاجته، ثم توضأ، ثم جاء، فقال: “أبا عبد الله ما فعل شراد جملك؟” (أي إلى ما انتهت بك قصة شرود جملك؟) ثم ارتحلنا، فجعل لا يلحقني في مسير إلا قال: “السلام عليك أبا عبد الله ما فعل شراد جملك؟” قال: فتعجلت إلى المدينة، واجتنبت المسجد، ومجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما طال علي ذلك تحينت ساعة خلوة المسجد (أي انتهزت فرصة فراغ المسجد من الناس)، فأتيت المسجد فجعلت أصلي، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم من بعض حجره فجاء فصلى ركعتين خفيفتين، ثم جلس، وطولت الصلاة، رجاء أن يذهب، ويدعني، فقال: “طول أبا عبد الله ما شئت، فلست بقائم حتى تنصرف”، فقلت: والله لأعتذرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فانصرفت، فقال: “السلام عليك أبا عبد الله ما فعل شراد جملك؟” فقلت: والذي بعثك بالحق نبيا ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت، فقال: «رحمك الله مرتين أو ثلاثا» ، ثم أمسك عني، فلم يعد لشيء مما كان.

الخلاصة أو الحكمة: كان النبي صلى الله عليه وسلم، عندما يلاحظ سلوكا سيئا لدى واحد أو أكثر من المسلمين، ويريد أن يتركوا هذا الفعل، لا يستعمل في حقهم ما يخجلهم أو يحط من قيمتهم أو يمس من كرامتهم. كانت ردود فعله تهدف التربية أولا، لذلك يستعمل وسائل قمة في الإنسانية والإبداع. ومنها أسلوب السؤال المازح كما رأينا في هذه الواقعة، أو أسلوب السؤال المعمم؛ كقوله: “ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟ ! ألا يفعلوا كذا وكذا؟ !. وبهذه الطرق لايشعر أي أحد بالحرج، بل يدرك سوء تصرفه من تلقاء ذاته، فيسعى إلى تحسين أفعاله. أساليب في التواصل التربوي نحتاج إلى معرفتها وتطبيقها في حياتنا اليومية أكثر من أي وقت مضى.  

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ