بقلم محمد والضحى، باحث في الإدارة و تسيير الموارد البشرية

ثمة الآن قناعة ثابتة أسسها وتكرر في كل المرجعيات عند الباحثين في مجال اصلاح وتحديث الادارة ، مفادها ان الفاعل البشري هو محور كل الإصلاحات ، الا أن هذه القاعدة يجب أن لاتخفى قواعد أخرى مكملة لها ومنها على الخصوص أن المورد البشري لا يعدو إلا أن يكون جزءا من الإشكالية الكبرى. اذ أن التركيز على المورد البشري لوحده كعبء لا ينتج عنه إلا نفس النتائج التي نتجت عن مراهنات سابقة ركزت بدورها على جزء من الإشكالية وأهملت الأجزاء الأخرى .

فالملاحظ خلال السنوات الاخيرة الصعود المتوالي لهيمنة وزارة المالية ، بالمقابل  أدت التطورات المتلاحقة واكراهات  المرحلة الراهنة إلى أفول نجم وزارات أخرى. ذلك أن وزارة المالية قد أهلها الواقع الاقتصادي الحالي الصعب لممارسة السيادة الفعلية على الحكومة وعلى رئيس الحكومة نفسه ، وهذا الاحتمال من صنعه ، يتعين على كل السياسيين الانتباه إليه .

انها خلاصات تدفعنا الى التسائل: من يسهر على تنفيذ الإصلاح الإداري ? هل هو اختصاص وزارة الوظيفة العمومية لوحدها . ان الظرفية الحالية لم تعد تساير هذا الطرح، ذلك أن الخطاب الإصلاحي الرسمي على الخصوص أصبح ينحو نحو  المشاركة الجماعية في تنفيذ برامج الإصلاح والتحديث.

كما ان هناك قضية أخرى ظهرت وبالذات منذ حكومة التناوب ، وهو البطء في التنفيذ ، فأمام حجم الإنتظارات والآمال المعقودة على المرحلة الرهنة ، يحاول السياسي الاختفاء وراء اكراهات صعوبة المرحلة او قوى التغيير أو صعوبات مالية ويحمل الإدارة المجردة فشل الإصلاحات.

 وتوخيا للإنصاف والعدالة ، فإن الأسباب الكافية وراء الفرق الشاسع بين الطموحات ورغبات الإصلاح وبين بطء التنفيذ منها ماهو داخلي أو ذاتي ، بالرغم من وجود رغبة لدى السياسيين والإداريين، تظل  نظرة السياسيين للموظف مزدوجة من خلال التعامل معه كعبء أحيانا وكمورد أحيانا أخرى.

ان الخطاب الإصلاحي يؤسس نظرته على إحصائيات ومعطيات مرقمة تفيد أن المجتمع ككل مهدد في أمنه الاقتصادي وسيادة قراره بفعل امتصاص الإدارة العمومية لجزء مهم من الميزانية العامة كالاجور ونفقات التسيير ، ذلك ان مسألة الأجور بالوظيفة العمومية، ذات حساسية كبيرة سواء على مستوى الخطاب السياسي او من خلال التوازنات المالية ، اذ ان مشروعيتهما ليست مؤسسة اجتماعيا إلا على خطاب إصلاحي تحسيني للأوضاع الاجتماعية بما فيها أوضاع الموظفين ، فالأكيد أن الحكومة لن تحصل على أي تنويه من المؤسسات المالية إلا في حالة حفاظها على التوازنات المالية الموصى بها دون التنكر بالمرة لكل ماهو اجتماعي ، بل نجد الحكومة في خطاباتها تتبنى النداءات الداعية الى مراجعة شبكات الأرقام الاستدلالية ونسب الضريبة على الدخل والتعويضات الأخرى ، ولكنها تعلم في نفس الوقت أن كل الاحتمالات غير ممكنة في الوقت الراهن إلا بالمزيد من التضحية المالية، فكل اصلاح يجب أن لا يتم على حسابها ولا نقاش حول مراجعة التوازنات المالية، الا ان يتقاسم موظفو الدولة التضحيات مع الدولة … في كل اصلاح تحديثي.