بقلم محمد والضحى، باحث في الإدارة و تسيير الموارد البشرية

من الحقائق الثابتة أن قطاع الوظيفة العمومية عانى كثيرا من علل البيروقراطية وفشل أمل الحد من تطور الفساد بحكم حجمه اليوم ، وبدلا من تركيز سياسات الإصلاح على معالجة مكامن الخلل، شنت هجمات على دور قطاع الوظيفة العمومية  داخل المجتمع. وكان لخيبة الأمل والتخلف عن تحقيق الوعود التي تم التبشير لها عن “وظيفة عمومية فاعلة ” تأثير سلبي على ثقة المواطن في النظام الديمقراطي برمته. وأصبح المطلب الأساسي اليوم  بالرغم من التمويه، ضرورة اقرار تنمية اقتصادية واجتماعية أهم من الديمقراطية في حد ذاتها. وأصبح الحديث المتكرر اليوم حول دور الدولة في التنمية والتي يجب ان تشمل الفقر والبطالة والتعليم والصحة والخدمات العامة الأساسية و… ، غير ان هذا لايعني عودة الدولة بشكلها القديم بل نمط جديد للدولة يختلف عن السابق .

لقد ركز الإصلاح في العديد من الدول خلال 25 سنة الأخيرة على تقزيم حجم الوظيفة العمومية، وانه كلما كانت إدارة عمومية صغيرة كان أفضل ، وهي نفس السياسة التي تبناها المغرب ابتداء من التسعينات من القرن الماضي، وهو ما يعني خدمات أقل، ترتب عنها في بعض الحالات إلغاء مؤسسات عمومية بالكامل أو نقلها الى القطاع الخاص،  على أساس أن الهدف من وراء ذلك العقلانية في الاقتصاد والكفاءة في أجهزة الدولة ، غير ان الدوافع الأساسية كانت دوافع مالية صرفية .

فبعد اشتداد الهجمات الشرسة على الوظيفة العمومية في 20 سنة الأخيرة، واتساع مظاهر الفساد داخل الإدارة المغربية، أصبح مطلب تحديد قواعدها وطريقة تسييرها احد مظاهر التحديث التي لاقت إجماعا جماهيريا كبيرا. فمع مطلع القرن الواحد والعشرين بدأ المغرب بإصلاحات كبرى تزيد من قدرة إدارته العمومية والتأسيس للتدعيم تكوين موظفي الدولة، وهو المجال الذي كان مهمشا طيلة 50 سنة السابقة، وذلك بهدف اعتماد المهنية في الوظيفة العمومية لأجل الوصول إلى الدولة الخدومة.

 لقد ساد الاعتقاد بأن الدولة وحدها يمكنها بناء إدارة جيدة، حيث كانت الإصلاحات تنحدر من الأعلى إلى الأسفل، ويتم تنفيذها دون مشاركة الموظفين والمجتمع المدني ، لكن ذلك الزمان قد ولى، فتنفيذ الإصلاحات يتطلب التفاعل مع المجتمع، كما أثبتت التجارب أن نقل نماذج من إدارة متطورة إلى إدارة أخرى مصيره الفشل في اغلب الحالات.

ومن المتفق عليه جميعا، أن الإدارة العمومية المغربية تواجه تحديات في غاية الصعوبة، فدور الدولة مازال قويا، لكنها  تعاني من اختلالات كبيرة وعلل عويصة تستلزم الإصلاح العاجل . إن الخطأ الكبير الذي تم الوقوع فيه هو أنه تم التركيز على أولوية تقليص حجم الدولة ( خوصصة بعض المؤسسات – المغادرة الطوعية ) وتوفير الموارد مع التضحية بمؤسسات مايزال لها تأثير كبير داخل المجتمع. والنتيجة كانت عكسية حيث تفاقمت مشكلات الفقر والبطالة واتساع الفوارق الطبقية، غير أننا بهذه الفكرة لا نقر بضرورة عودة دولة الستنيات وإنما بالبحث في إقامة إدارة عمومية فاعلة وعادلة تتيح لكل المشاركة فيها وذلك من خلال تكريم مواردها البشرية وضمان حياة اجتماعية مستقرة تتماشى مع تطور مستوى الحياة وإقرار قواعد منفردة وعادلة.