في ظل روحانيات هذا الشهر الفضيل العبقة، التي تطهر النفس وتزكي الروح، يكون الإنسان المسلم العادي مدعوا أكثر إلى الجدية وإلى تغييب الجانب الفكاهي، وخاصة ما يدخل في جارح الكلام وساقطه وفاحشه. ومن هنا جاءت فكرة هذه السلسلة، وفيها سنحاول أن نغوص في أعماق تاريخنا، ونعرض بعضا من مواقف السلف؛ والتي رغم طابعها الخفيف المضحك، فهي تفيض حكمة وبلاغة. فالمسلم خفيف الظل، محبب العشرة، يخالط الناس  ويمازحهم عندما يحسن المزاح وتلطف المداعبة، بحيث لا يغلو ولا يؤذي. فمزاحه هو المزاح المشروع السمح الذي لا يخرج به عن دائرة الحق، كما كان شأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام في مزاحهم ومداعبتهم، فقد أوثر عن الصحابة أنهم قالوا للرسول الكريم: إنك تداعبنا، فقال:”إني لا أقول إلا حقا”. فالرسول كان يمزح، ولكنه كان لا يقول في مزاحه إلا حقا، وكذلك كان الصحابة الكرام، ومن قبلهم، ومن بعدهم كثير من الناس في تلك المناطق المحببة إلينا. ولهم في المزاح والمداعبة أخبار طريفة، يستعرض هذا الركن الذي نرجوه أن يصاحبنا طوال الشهر الفضيل، بعضا منها.

موقف اليوم: شيخوخة الجسد لا تؤثر على فتوة العمل والدعاء.

قال علي بن أبي طالب، عليه السلام-: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة رمصاء العينين (أي لها عينين تسيلان ماء بسبب المرض والشيخوخة) فقال : أما إنه لا يدخل الجنة رمصاء العينين . فبكت وقالت : يا رسول الله وإني لفي النار؟ فقال : لا ولكن لا تدخلين الجنة على مثل صورتك هذه، ثم استرسل الرسول الكريم قائلا: لا يدخل الجنة الأعور والأعمى على هذا المعنى .

وفي واقعة أخرى؛ أتت عجوز النبي – صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة. فقال مداعبا: “يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز”، فولت العجوز تبكي، فقال: “أخبروها أنها لا تدخلها، وهي عجوز؛ إن الله تعالى يقول: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا} رواه الترمذي. ومعنى قول  الله عز وجل: إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37). سورة الواقعة،  أن نساء الدنيا اللاتي يدخلهن الجنة، يعيد الله نشأتهن، بعدما كن عجائز رمصاً، فيصرن أبكاراً عرباً، أي بعد الثيوبة عدن أبكاراً عرباً، متحببات إلى أزواجهن بالحلاوة والظرافة والملاحة، وقيل إن المنشآت هن الحور العين..

الخلاصة أو الحكمة: القيمة عند الله بالعمل والدعاء، وليس بالجسد. فالعبرة تمكن فيما فعله الإنسان في سنين عمره، وليس في حالته وهو هرم تنخر الشيخوخة جسده. ألم يقل النبي سيدنا زكرياء عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: “رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً”. فبشره الله تعالى بيحيى؛ وفيه الولد والنبي.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ