توطئة: أهل الله علينا هذا الشهر الفضيل بكل روحانياته العبقة، وبكل تجلياته التي تطهر النفس وتزكي الروح. في هذا الشهر يكون الإنسان المسلم العادي مدعوا أكثر إلى الجدية وإلى تغييب الجانب الفكاهي، وخاصة ما يدخل في جارح الكلام وساقطه وفحشه. ومن هنا جاءت فكرة هذا الركن، الذي نرجوه أن يصاحبنا طوال الشهر الفضيل. وفيه سنحاول أن نغوص في أعماق تاريخنا، ونعرض بعضا من مواقف السلف؛ والتي رغم طابعها الخفيف المضحك، فهي تفيض حكمة وبلاغة. فالمسلم خفيف الظل، محبب العشرة، يخالط الناس  ويمازحهم عندما يحسن المزاح وتلطف المداعبة، وهو في مزاحه لا يغلو ولا يشتط ولا يؤذي، كما هو في جده لا يقسو ولا يتزمت ولا يتجافى؛ فمزاحه هو المزاح المشروع السمح الذي لا يخرج به عن دائرة الحق، كما كان شأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام في مزاحهم ومداعبتهم، فقد أثر عن الصحابة أنهم قالوا للرسول الكريم: إنك تداعبنا، فقال:”إني لا أقول إلا حقا”. فالرسول ي كان يمزح، ولكنه كان لايقول في مزاحه إلاحقا، وكذلك كان الصحابة الكرام، ولهم في المزاح والمداعبة أخبار طريفة، كانت تجري بينهم وبين الرسول الكريم.

 

موقف اليوم: من اعترف بالذنب: المرحلة الأولى لنيل العفو.

أود أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه بينما هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتكى الرجل قائلا: هلكت يارسول الله، فقال الرسول الكريم: «ويحك، وما شأنك؟» قال: وقعت على أهلي في رمضان (أي ضاجعت زوجتي في نهار رمضان)، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أعتق رقبة» ، قال: لا أجد، (أي أنه لايملك عبدا أو أمة ليعتق الرقبة) قال: «فصم شهرين متتابعين»، فرد الرجل: ما أطيقه…، قال: «فأطعم ستين مسكينا»، فأجاب الرجل: ما بين ظهري المدينة أحوج إليه مني (أي لايوجد في المدينة المنورة كلها من هو أحوج من الرجل إلى الطعام)، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: «خذه، واستغفر ربك».

وروى قاسم بن ثابت في دلائله عن صهيب رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلّم بقباء وبين أيديهم تمر وبسر تمر (أي البلح الذي به عظم: إحدى مراحل نمو التمر)، وأنا أشتكي إحدى عيني، فرفعت التمر آكله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «أتأكل التمر على عينيك وأنت رمد؟» فقلت: إنما آكل على شقي الصحيح، وأنا أمزح مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى نظرت إلى نواجذه.

 

الخلاصة أو الحكمة: عند توفر الندم على الذنب والإخلاص في الاعتراف، فالإسلام أقرب إلى الرحمة والتجاوز منه إلى تطبيق الحدود والعقاب، ولو في الذنوب الكبيرة.. وغدا إنشاء الله مع موقف جديد.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ