أدانت عدد من الجهات في العالم أحكام الإعدام التي أكدتها، أمس الثلاثاء، محكمة استئناف مصرية في حق الرئيس المصري المطاح به محمد مرسي وعدد من معاونيه. ويتعلق الأمر بالولايات المتحدة الأمريكية، ومنظمة العفو الدولية، ومنظمة هيومان رايتس ووتش، وألمانيا، وتركيا، والبوسنة والهرسك والأمم المتحدة. ففي واحدة من غرائب حيثيات القضاء في العالم، أصدر القضاء المصري عدة أحكام غريبة على بعض مكونات الجهاز الحاكم هناك قبل الانقلاب العسكري الذي قاده وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي. هذه الأحكام تراوحت بين السجن المؤبد وأحكام الإعدام، وإذا كنا لانناقش هنا ملائمة الأحكام مع نصوص قانونية، فإننا بالتأكيد نتسغرب للحيثيات التي بموجبها تم تكييف التهم الموجهة للمحكومين. ولنتناول تهمتين صدرت بموجبهما تلك الأحكام على الرئيس المطاح به محمد مرسي:

أولا: تهمة الهروب من السجن: أو ما يسمى في مصر بـ”الهروب الكبير”؛ فالجميع يعلم أن ثورة الشعب المصري على حكم حسني مبارك، كانت عامة وشاملة، فقدت فيها الدولة السيطرة على دواليب السلطة كأي ثورة في العالم. وطبعا شكلت السجون إحدى هذه التمظهرات؛ حيث فتحت الأبواب وخرج المساجين؛ سواء كانوا سياسيين أو سجناء الحق العام.

ولا يهمنا ما قاله الرئيس مرسي من كونه لم يبادر إلى اغتنام الفرصة كباقي السجناء، بل انتظر إدارة السجن لتبث في أمره، لكن هذه الإدارة كانت غائبة بحكم تداعيات الثورة. لكن الذي يضحك المرء، لكنه ضحك مر، هو كيف، وبعد أن استقرت الأمور، لم يكن مرسي مختبئا كما يفعل الهاربون من السلطات، بل كانت أنشطته معروفة للعالم، ثم تقدم للانتخابات الرئاسية التي يعرف الجميع أن من بين شروط الترشح لها أن يكون المرشح غير متبوع بأحكام قضائية. فهل السلطات لم تكن على علم بحيثيات نهاية مرحلة سجنه؟ ! ثم نجح الرجل في الانتخابات، وأصبح رئيسا للجمهورية، وترأس أداء القسم من بعض من يحاكموه اليوم، ومارس مهامه الدستورية كما يفعل أي رئيس دولة في العالم…

ثانيا: تهمة التخابر مع حركة حماس الفلسطينية: وهذه لوحدها تكفي لمعرفة مدى سفاهة القضاء حاليا في مصر الانقلابية. فالمعروف أن مثل هذه التهمة تسري على الجهات المعادية للدولة. فهل حركة حماس منها؟! قد يقول قائل بأن السلطات الحاكمة الآن في مصر أدرجت حماس في لائحة المنظمات الإرهابية. طيب، ورغم تبرمنا حد الإسهال من هذا الإجراء المقيت، فإن اعتبار حماس إرهابية جاء بعد ما تم الانقلاب على الرئيس الشرعي أي قبل صدور هذا التصنيف. ثم إن أي طالب في السنة الأولى في الدراسات القانونية يعرف جيدا مبدأ “عدم رجعية القوانين”، أي أنه لايمكن معاقبة أي شخص بنص إذا قام بفعلته قبل صدور القانون. ومن جهة أخرى، ألا تقوم السلطات الحاكمة بـ”التخابر مع اسرائيل” العدو المفترض الأول لمصر وللعالم العربي؟!

إن المحاكمات التي تجري في مصر والأحكام الصادرة بموجبها، لايمكن إلا أن تدخل ضمن سياسة انتقامية ممنهجة مكشوفة، ولكن بوسيلة قضائية مفروض فيها الحياد والتجرد والنزاهة. ولذلك صدرت تلك الأحكام التي اعتبرتها منظمة العفو الدولية “مهزلــة”. ولعل من أكبر المهازل أيضا، أن يعاقب منظمو ومنخرطو الاعتصامات التي نظمت عقب الانقلاب بالسجن المؤبد والإعدام، ويترك من قام بجرائم القتل والجرح والتعذيب منقولة للعالم بالصوت والصورة.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ