أيوب غضفة، إطار بمؤسسة التعاون الوطني مهتم بمجال العمل الإنساني والتنمية البشرية

 

السياق التاريخي للاهتمام بالمجتمع المدني

شكل موضوع المجتمع المدني سواء نظريا أو عمليا موضوعا ذا أهمية كبرى للسياسيين والباحثتين، باعتبار أن المجتمع المدني أداة قوية للاختراق والضغط والوصول إلى المعادلات الاجتماعية الصعبة من هذا الطرف أو ذاك ،وإذا كان المجتمع المدني في الفكر و الممارسة الأمريكية قد اختلف تأسيسه و تطوره عن ما جرى في الفكر و الممارسة الأوربية بسبب انبثاق المجتمع المدني قبل انبثاق الدولة القومية الأمريكية ،فإن تطور مفهوم مؤسسات المجتمع المدني في بلادنا بصفة خاصة وفي البلدان العربية بصفة عامة ،مازال في مخاض عسير تتقاذفه المصالح والتكتيكات السياسية والصراع الطبقي و الفئوي ،والإيديولوجي ،وبغض النظر عن التعاريف التي أعطيت لهذا المفهوم حسب اختلاف المذاهب الفكرية والإيديولوجيات ،فإننا نقدم من جهتنا تعريف نؤسس من خلاله تحليل مقالتنا العلمية هذه ،فالمجتمع المدني يمثل “مجموعة من الأفراد والمنظمات والهيئات التطوعية المؤسسية التي تقوم على قاعدة التعاقد ، والمستقلة عــن سلطة الحكومة ،و التي يتبنى أعضاؤها أهدافا مشتركة يحققوها عن طريق العمل الجماعي في مجالات مختلفة اقتصادية وثقافية ودينية وفنية واجتماعية وإنسانية وغيرها بالاعتماد على أنفسهم دون الاعتماد الكلي على الدولة إلى الحد الذي تصبح فيه تلك المنظمات والهيئات والجمعيات بمثابة قوى اجتماعية لا تنفصل عن الدولة ولكنها بمثابة عين عليها، وتسير هذه المؤسسات على أهم مبادئ الديمقراطية
أما في المغربي فقد ازداد الاهتمام بمؤسسات المجتمع المدني لعدة أسباب منها ما هو داخلي ومنها ما هوخارجي، خاصة  مع الانفراج السياسي ،والانفتاح على حكومة التناوب وتأسيس مؤسسات رسمية تعنى بمجال حقوق الإنسا (المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان،وديوان المظالم) وترسخ هذا التوجه مع اطلاق المفهوم الجديد للسلطة المبني على  إعطاء الأولوية للتنمية البشرية والاقتصادية ليتأكد هذا المنحى مع تصاعد الحراك الاجتماعي العربي الإقليمي والوطني الداعي إلى تحقيق الديمقراطية و إسقاط الفساد

فلم يكن الإهتمام المتزايد بالمجتمع المدني وليد الصدفة بل جاء ضمن سياق عالمي ارتبط اساسا بالتحولات التي عرفتها عملية انتاج القرار نتيجة التحولات الشاملة و العميقة و السريعة التي شهدها المجتمع العالمي بقيادة المجتمعات المتقدمة.

فالحاجة إلى التغيير، و بروز مطالب اجتماعية جديدة جعلت من اعادة صياغة النظام الاقتصادي و السياسي أحد الاولويات الكبرى ببلدان العالم ، و تبعا لذلك اعادة النظر في دور المؤسسات و الفاعلين الاجتماعيين و مكانة الدولة و مؤسساتها في هذا الرهان، مما دفع بالدولة الى انتهاج فلسفة جديدة في تدبير الفعل العمومي، و الميل الى اعطاء البعد المحلي  مكانة اساسية في هذا التدبير وذلك بسن اسلوب اللامركزية للتخفيف من العبء الملقى على عاتق السلطة المركزية عبر اسناد المهام التنموية للجماعات المحلية و تخويلها مهاما اقتصادية خصوصا في الفترة الممتدة من 2002 الى الآن و ادخال فاعلين اجتماعيين في مجال التنمية المحلية و المستدامة خصوصا المجتمع المدني الذي اعتبر شريكا اساسيا بمقتضى الميثاق الجماعي لسنة 2003، كما كان للتقدم الحاصل حاليا في مسار الديمقراطية و الحريات العامة الاساسية و حريات تاسيس الجمعيات و النقابات و انشاء المقاولات أثرا قويا في بروز الفاعل الجمعوي بقوة على الساحة