تصريح عبد الإله بنكيران في شهر أكتوبر 2014: “حان الوقت لكي ترفع الدولة يدها عن مجموعة من القطاعات الخدماتية، مثل الصحة والتعليم،”.

تصريح عبد الإله بنكيران في شهر يونيو 2015: “الدولة لا يجب أن تبقي التعليم في يدها”.

هكذا يتضح أن السيد رئيس الحكومة لم يكن يطلق كلاما عابرا، بل يعني ما يقول، ويصر على هذا التوجه الخطير: لاحظوا معي صيغة الكلام: “أن ترفع الدولة يدها” عن الخدمات الاجتماعية. وكأن الدولة تجاوزت حدود اختصاصاتها وسيطرت على مجالات ليست لها بل لغيرها واعتدت عليها. هل هذا معقول؟ ! هل هذا كلام رجل دولة يرأس حكومة المغرب؟ ! أليس هذا الكلام نوعا من إثارة الفتنة في بلد ما زال ينعم بالاستقرار في محيط متوتر؟ ! ثم دعنا نسائل السيد بنكيران: إذا كانت خطط للدولة أن تتخلى عن واجباتها في التعليم والصحة والدفاع والأمن (فكلها قطاعات اجتماعية تضمن بقاءها)، فماذا ستكون مهمتها إذن؟ ! ثم هل الدولة خلقت لتخدم طبقة صغيرة من مالكي الأموال، وليذهب باقي الشعب إلى الجحيم؟ ! ثم لماذا يؤدي الشعب أنواعا غير قليلة من الضرائب إذا لم تكن لتغطية مصاريف هذه القطاعات الاجتاعية؟ !

إن الدول الموغلة في الرأسمالية لم تتخل يوما عن القطاعات الاجتماعية في حدود ما يساوي بين مواطنيها، بل تضمن التعليم والعلاج لكل القاطنين فوق أراضيها مهما كانت جنسيتهم ومكانتهم الاجتماعية.

لقد ذهب السيد بنكيران في تصريحه إلى أبعد من ذلك، فقال بأن النظام الأنجلوسكسوني في التعليم يعتمد هذا النموذج، أي الخوصصة. وهذا حق أريد به باطل، والصحيح هو أن ما يجري العمل به في النظام الأنجلو سكسوني وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، أن المجال مفتوح للجميع للتسجيل في مؤسسات التعليم العالي التابعة للدولة، أما من أراد المتابعة في المؤسسات الخصوصية فعليه تحمل التكاليف المالية للتمدرس. وهناك يلجأ الطلبة إلى الاقتراض من البنوك لمدد قد تصل أو تتعدى 10 سنوات من فترة السداد. وهؤلاء يدبرون أمورهم، حيث أن سوق العمل هناك واعدة وتفتح آفاقا جيدة تجعل الطلبة يقدمون على مغامرة الاستدانة من الأبناك. فهل لدينا نفس إمكانيات التشغيل وبأجور محترمة؟ ! وهل أبناكنا في نفس مستوى إمكانية إقراض الطلبة وهم من ذوي “المستقبل الغامض”، خصوصا أبناء الطبقة الشعبية ذات الإمكانيات المحدودة جدا؟ ! ومع ذلك، فالسلطات الأمريكية انتبهت إلى الوضعية الخطيرة لعدد من الطلبة المقترضين المهددين بالسجن بسبب عدم القدرة على الاستمرار في أداء ديون التعليم، فسارعت إلى التكفل بها.

إن السيد بنكيران، بإعلان نياته تلك، يتجه بالبلاد إلى نفق مجهول، وهو الذي يتحدث كثيرا عن نعمة الاستقرار التي يرفل فيها المغرب. إن القرارات اللاشعبية لهذه الحكومة، والتي يتولى كبرها حزب رئيس الحكومة، جعلته يتقهقر في سلم الثقة لدى المواطنين المغاربة. ولعل أول المؤشرات في ذلك، عدم تمكن نقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، الذراع النقابي لحزب رئيس الحكومة من تخطي حاجز 6 في المائة التي تؤهلها لتكون ضمن النقابات الأكثر تمثيلية  متساوية الأعضاء، وطنيا، وذلك في انتخابات اللجن الإدارية متساوية الأعضاء.

وقد يقول قائل، وهذا ما تعتقده قيادة حزب العادالة والتنمية، أن حزب رئيس الحكومة ما زال يتمتع بتعاطف قاعدة عريضة من الطبقة الشعبية، مهما يكن موقف الطبقة المثقفة والمتوسطة بصفة عامة. والواقع يشير إلى أنه في ظل الهجومات المتواصلة للحكومة على القدرة المعاشية للطبقة الشعبية، وفي ظل قرارات خرقاء مثل الخوصصة الكاملة للصحة والتعليم، فليس التعاطف هو الذي سيذهب أدراج الرياح، لكن الأمر يصل إلى تهديد سلامة واستقرار الوطن لأن الفتنة نائمة لعن الله موقظها.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ