عبد العزيز الرماني

“في الزمن الماضي، قرأت كثيرا عن أولئك الذين غضبوا من الإمام الحاكم وعاتبوه او زجروه أحيانا، وقرأت أيضا عن أولئك الذين غضبوا من ربهم، وكيف تعامل الحكام معهم..
ووجدت أن التاريخ العربي أرحم من الحاضر العربي، أقصد أن التاريخ الإسلامي أرحم من الحاضر الإسلامي من بوابة الاجتهاد والفتوى والتسامح”.
ونتناول في الجزء الثاني شخصية مثيرة للجدل والنقاش، اتهمت بشتى التهم ومنها الكفر والزندقة والقسوة والعجرفة، لكن الكثير من أهل زمانه قالوا انه كان سخيا وكريما وعالما وفقيها….إنه الخليفة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
تربى معاوية على الحلم والعلم، وكان أبوه الصحابي معاوية بن أبي سفيان من أصحاب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم و واحد ممن كتبوا الوحي الذي أنزل على الرسول.
كان أبوه أيضا سادس الخلفاء في الإسلام، ومؤسس الدولة الأموية وأوّل خلفائها، وقد تربى اليزيد على الطاعة والفقه وحب العلوم، حتى أن أباه كان يأمره بالاستماع إلى وفود العرب التي تفد عليه ليأخذ من حكمتهم.
في عهد حكمه شنت الفتن والمحن، وفي عهده قتل الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفي عهده أيضا كثرت المحائن والضغائن بين المسلمين، لكن عهده أيضا عرف فتوحات كثيرة وصلت إلى أرض المغرب على يد عقبة بن نافع الفهري.
ومن الأشعار التي نقلها التاريخ ليزيد بن معاوية، هذه القصيدة الغريبة التي كتبها حوالي السنة الستين بعد الهجرة، وفيها يبكي حبيبته ويصف هيامه بها ضدا عن كل الالتزامات التي تقيد أميرا للمؤمنين وخليفة للرسول الكريم، بل ويتجاوز في الغزل حدود ما يتاح لمسلم كي يعرب به:

خذوا بدمي منها فإني قتيلها
رأيتُ بعيني في أناملها دمي
أغار عليها من أبيها وأمها
ومن خطوة المسواك إن دار في الفم
أغار على أعطافها من ثيابها
إذا ألبستها فوق جسم منعم
وأحسد أقداحا تقبلُ ثغرها
إذا أوضعتها موضع المزج في الفم

غزل كهذا لا يمكن ان يصدق احد أن الذي أنشده عاش زمن الصحابة الكرام بل وكان خليفتهم وإمامهم سنوات قليلة فقط بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته.
وغزل كهذا لا يمكن ان يصدق إنسان أن قائله واحد من أبناء صحابة الرسول وكتاب الوحي المقدس، وغزل كهذا لا يمكن أن يكون قائله محاط أثناء فترة حكمه وخلافته بصحابة خير الأنبياء ومنهم النعمان بن بشير..
إن الخليفة في شعره يغار عن محبوبته من أبيها ومن المسواك ومن كل قدح تشرب منه، وهو خوف غير مبرر في أغلب الديانات فيا ترى في الديانة الإسلامية، بعد ذلك يكتسب الخليفة كامل الجرأة ليعود إلى الأنبياء والرسل، وإلى من وردت أسماءهم في كتاب الله عز وجل فيقارن جمالها بجمال يوسف، وحكمتها بحكمة لقمان، وعفتها بعفة مريم.. وينشد قائلا:

 

قتيل الهوى والعشق لو كنت تعلمي
لها حكم لقمـان وصـورة يوسـف
ونغـمـه داود وعـفـه مـريـم
ولي حزن يعقوب ووحشـه يونـس
وآلام أيـــوب وحـســرة آدم
مدنيـة الألحـاظ مكيـة الحشـى
هلاليـة العينيـن طائيـة الـفـم

ها هو خليفة المسلمين وإمامهم المطاع يصف بدون تعفف، ويتغزل بكل تلطف، فيعطي لحبيبته أوصافا لا يجرء عليها في زمنه إلا من دنا اجله أو بحث عن مقتله، ويقول إنه لولا مخافة الله لقبلها في الأماكن المقدسة وفي زمزم والحطين :

أشارت بطرف العين خيفـة أهلهـا
إشـارة محـزون ولــم تتكـلـم
فأيقنت أن الطرف قد قـال مرحبـا
وأهـلا وسهـلا بالحبيـب المتيـم
فو الله لـولا الله والخـوف والرجـا
لعانقتهـا بيـن الحطيـم وزمـزم
ووسدتهـا زنـدي وقبلـت ثغرهـا
وكانت حلالا لي ولو كنـت محـرم

وسنستمر في الحلقة الثالثة بالنهل من حكايات وأشعار من تجرؤوا فقالوا أقوالا أجرأ مما يقدر على قوله أهل هذا الزمان، وهو ليس تشجيعا للمنحرفين او للناقمين على نعمة الدين الحنيف، بل هو تذكير فقط بقيمة التسامح والتناصح التي عرف بها تاريخ الإسلام.