عمت أجواء الفرح والبهجة، مختلف المناطق الواقعة على الحدود بين الهند وبنغلاديش، بعد توقيع قائدي البلدين الجارين على “اتفاق تاريخي” سيمكن القاطنين في تلك الجيوب الحدودية من اختيار جنسية أحد البلدين، والاستفادة من أبسط الحقوق الإنسانية.

واحتفل آلاف الفلاحين الفقراء في المناطق المتاخمة للحدود بين الهند وبنغلاديش بهذا الاتفاق وجابوا الشوارع في مسيرات عفوية وهم في حالة من الفرح والسرور، بعد زهاء أربعة عقود من المعاناة والحرمان من المقومات الأساسية للعيش الكريم.

وعلى مستوى القادة، عبر الوزير الأول الهندي ناريندرا مودي عن اعتزازه بالتوقيع على هذا الاتفاق بالقول إنه “اتفاق للانضمام إلى القلب.. قد يوازي في أهميته سقوط جدار برلين”، بالنظر إلى أنه يشكل بارقة أمل جديدة أنهت نحو أربعين سنة من المعاناة الإنسانية.

فالاتفاق بين الهند وجارتها الشرقية يقضي بإجراء تبادل للأراضي بينهما على طول الحدود المشتركة التي تمتد لمسافة أربعة آلاف كيلومتر، وكذا تحديد هوية 52 ألف شخص يعيشون في هذه الجيوب الحدودية.

وسيمكن الاتفاق، الذي وقع عليه وزيرا خارجية البلدين في دكا بحضور رئيسة وزراء بنغلاديش الشيخة حسينة والوزير الأول الهندي ناريندرا مودي، على هامش زيارته الرسمية للبلاد، من إنهاء خلاف حدودي كان يلقي بظلاله على العلاقات المتميزة بين البلدين منذ استقلال بنغلاديش (باكستان الشرقية سابقا) عن باكستان في سنة 1971 بدعم من الهند.

وبموجب هذا الاتفاق، ستتبادل الدولتان عددا من الأراضي، بحيث يتم تسليم 111 جيبا حدوديا إلى بنغلاديش في مقابل 55 جيبا آخر إلى الهند، كما سيمنح سكان تلك الجيوب الحدودية حق اختيار العيش في أحد البلدين مع إمكانية حصولهم على الجنسية التي يختارونها في الأراضي الجديدة التي تعوض الجيوب السابقة، التي ستختفي بمقتضى الاتفاق.

وتبرز مزايا هذا الاتفاق التاريخي في أنه سيمكن سكان تلك المناطق الحدودية من أن يصبحوا مواطنين، ما يخول لهم الاستفادة من جميع الخدمات الاجتماعية والصحية مثل المدارس والمراكز الصحية وباقي المرافق الاجتماعية والإدارية التي كانوا محرومين منها بسبب عدم ارتباطهم قانونيا بأية دولة.

تجدر الإشارة إلى أن معاهدة قديمة بين الدولتين كانت تعتبر الجيوب الهندية في بنغلاديش وعددها 106 والجيوب البنغالية في الهند وعددها 92، أراض أجنبية داخل كل دولة، غير أنه بموجب الاتفاق الجديد ستحصل كل دولة على معظم المناطق الموجودة داخلها وسيحق لسكانها البقاء فيها أو الانتقال إلى الجانب الآخر من الحدود.

وكان زعيما الهند وبنغلاديش، على التوالي أنديرا غاندي والشيخ مجيب الرحمن، قد توصلا إلى اتفاق مبدئي في هذا الشأن خلال سنة 1974، إلا أن البرلمان الهندي لم يصادق عليه سوى الشهر الماضي، ما مهد الطريق أمام التوقيع على الاتفاق أول أمس السبت.

ومن جهته، اعتبر سكرتير وزارة الشؤون الخارجية الهندية، س. جيشنكار، في تصريح للصحافة، أن الاتفاق الذي توصل إليه البلدان، يعد “لحظة حاسمة في علاقاتنا مع بنغلاديش”، مؤكدا أنه “سيساعد على مكافحة تهريب الأشخاص والمخدرات والعملات. وأضاف الدبلوماسي الهندي أن “تلك الجيوب الحدودية كانت تعتبر في ما مضى مناطق خارج سيطرة أجهزة الأمن، إذ غالبا ما كانت تستغلها العناصر الإرهابية أو الإجرامية في تهديد الأمن والنظام”، مؤكدا أن “الوضع الجديد لهذه المناطق، الناجم عن ترسيم الحدود بدقة، سيساعد على ضبط الحدود بين البلدين وجعلها أكثر أمنا”.

وبالتوقيع على هذه الاتفاقية تكون الهند قد تمكنت، للمرة الأولى منذ استقلالها في سنة 1947، من ترسيم الحدود مع أحد جيرانها، مع الإشارة إلى أن الهند وبنغلاديش عملا في سنة 2014، على ترسيم حدودهما البحرية في أعقاب عملية تحكيم دولي حظيت بالقبول لدى البلدين. وكان وزير الشؤون الخارجية في بنغلاديش، أبو الحسن محمود علي، قد أبرز يوم الجمعة الماضي، أن الاتفاق بين الهند وبنغلاديش يشكل بحق “نقطة تحول تاريخية في العلاقة بين الجارتين على مستوى منطقة جنوب آسيا”.

يذكر أن المشكل حول الجيوب الحدودية بين الهند وبنغلاديش نشأ خلال القرن الثامن عشر، نتيجة اتفاقيات على ملكية الأراضي قام بها عدد من الأمراء المحليين في المنطقة.