مريم النفزاوية، ل”ماذا جرى”

في ظرف أسبوع واحد وجه الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، إلياس العماري، دعوتين متتابعتين عبر موقع إلكتروني واحد، يقترح فيهما طي صفحة الخلاف مع خصومه السياسيين، ويمد عبرهما يديه للصلح مع حزب العدالة والتنمية.

ومنذ قراءتي للرسالتين، وأنا أقلب قواميس السياسة لأفهم ماذا يقصد إلياس العماري بمصالحة الشجعان؟، ولماذا شبَّه نفسه تلميحا بياسر عرفات، ونيلسون مانديلا؟، فهل يبحث إلياس عن صلح يشبه الذي قاده عرفات مع الاسرائيليين في مؤتمر مدريد او اتفاقية اوسلو؟، او الذي قاده مانديلا مع “الحزب الوطني” في جنوب افريقيا ضد نظام الفصل العنصري ؟.

نحن في المغرب والحمد لله، لاوجود لعداوة سياسية او اهلية، و لا وجود لاستعمار خانق او دكتاتورية مستبدة، ولا وجود لقتال عنصري او حرب أهلية … فما المقصود بصلح الشجعان “وعلاش كبرتي الطرح أسي إلياس؟”.

إن حالة التنافس السياسي الذي عرفته الانتخابات الاخيرة، طبيعية جدا في كل الديمقراطيات العالم، وحالة الاختلاف المرجعي والايديولوجي الحزبي التي ميزت هذه الانتخابات هي التي يستند عليها كل تنافس سياسي هادف وبناء، ولولاه لكانت الاحزاب “أمة واحدة”، فما حاجتنا إذن إلى كل ألوان الطيف الحزبي في بلادنا، وما حاجتنا الى التعددية، بل ما حاجتنا إلى الانتخابات في حد ذاتها.
إن حزب الأصالة والمعاصرة تم تأسيسه  في مرحلة معينة ليخْلق ديناميكية جديدة، ويزرع دما منعشا في المشهد الحزبي، لكنه وللأسف، لم يختلف عن باقي الأحزاب “الإدارية” التي عرفها المغرب، وبالتالي عانق الأعيان كما عانقتهم احزاب الادارة عبر تاريخ المغرب، وهمش الكفاءات، واستخدم وسائل ما كانت لتستخدم في هذا العهد الذي سماه المغاربة جديدا.

لقد زاغ الحزب الحداثي دي المرجعية التي تستند على توصيات  “تقرير الخمسينية” وتقرير هيئة الإنصاف والمصالحة عن الطريق السليم، وانتشى بالعلاقات الهرمية، وانساق وراء الخطابات اللغوية، والمشادات الكلامية. بل لقد زاغ هذا الحزب، وللاسف الشديد، عن النهج والسكة التي وضع عليهما  في مؤتمر الصخيرات، واحرق كل اوراق حركة من اجل الديمقراطييين، وطوى بالنسيان وعود مؤسسه الحقيقي التي اقسم بها في الرحامنة ومراكش والعيون وطنجة..

واليوم فليس من حقنا ان نعمق جراحه اكثر ما هي عميقة، فبالرغم من سوء تدبيره، وزيغان قيادته،وط وكثرة شطحاتها، فنحن نشهد له بحق الوجود، وبكونه مكملا للمشهد الحزبي، وصحة وجوده، تجسدها مرجعيته الحداثية، وتشفع بها قاعدته في مجتمع ينبهر بالكلام والبكاء، اكثر ما يتأثر بالفعل والانجاز .

ان ما يجب على الياس العماري فعله في الحين هو ان يهيكل حزبه وفق منظور غير قبلي، ويبني قواعد حزبه باحترام الفعل الديمقراطي وعلى سواعد كفاءات الوطن، عوض الاعتماد على الاجهزة المتعددة، وجيوب الاعيان.

إن المطلوب من إلياس أن يصالح ذاته قبل ان يذهب الى خارجها، وأن يصالح قواعد حزبه ومؤسسيه قبل الانصياع الى الغير، او الانبطاح امام عتبة حزب العدالة والتنمية.

والمطلوب من العماري ان يعقد الصلح مع الذين هجروه وتركوه مقصيا ومعزولا داخل مجلس النواب، ومنهم حميد شباط، ومحمود عرشان، وادريس لشكر، ونبيل بنعبد الله، قبل ان يلتجئ إلى عبد الإله بنكيران المحمي بدفء قاعدته القوية. والمطلوب من الياس العماري، ان يوجه رسالة قوية للذين صوتوا على العدالة والتنمية فرارا من حزبه، لا حبا في ذاك الحزب، وكأنهم احتموا بدفئ العدالة والتنمية من صقيع الاصالة والمعاصرة.

إن جوهر الخلاف بين الاصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية هو ايديولوجي ومرجعي قبل أن يكون شخصي، ومادام حزب الأصالة والمعاصرة يعتز بحداثته وعلمانيته، وحزب العدالة والتنمية يعتز بمرجعيته الدينية والمحافظة، فالصلح هنا يعني أن يتنازل طرف عن مرجعيته لصالح الطرف الآخر، والغلبة للطرف المنتصر طبعا، فمن يكون الضحية في هذه الحال؟ إنهم طبعا كل الذين وضعوا آمالهم قي حزب الأصالة والمعاصرة، ولم يستشرهم إلياس العماري حين وقع رسالته لأنني لا أعتقد أنه هو من كتبها.
فإذا كان السيد إلياس العماري أساء تدبير المرحلة الحالية، فإنه من خلال رسالته الالكترونية لا يسيئ التدبير فقط، بل يسيئ التقدير أيضا.
ودعوني أقول لقرائي الأعزاء؛ إنني لم أكن أتوقع ان يخلط عبد الالاه بنكيران كل أوراق المشهد السياسي، ليصبح قِبلة لكل الأحزاب يمينها ويسارها ووسطها، “بل أعلاها وأسفلها”…فأتاه الشيوعيون، والاشتراكيون، والاداريون، والوسطيون، والمحافظون، بل وحتى الحداثيون والعلمانيون…
وحتى وإن رأيت هذا بأم عيني فما كنت أتوقع أبدا ان ينحني رجل الريف، بهامته الطويلة “مهما كانت قامة إلياس الجسدية قصيرة”، وينبطح لمزايدات اللحظات الاخيرة…إنني أفضل تكسير قلمي على ان أواصل هذا التعليق، فالمرحلة أصبحت أكبر من قامة زعمائنا الحزبيين، سامحهم الله. و لكم الكلمة…