بشرى كنوز، ل”ماذا جرى”

ففي الوقت الذي كان يتوقع ان يكون الاعلام العربي (مسموع أو مقروء أو مرئي) سبيلًا للتواصل الثقافي والحضاري بين المواطنين العرب فى شتى أنحاء العالم، وشرط هوية، ودعامة مستقبل، ووصل لهذه الأمة بتراثها العريق، وركيزة لانطلاقتها الراهنة والقادمة، لتأخذ مكانها ومكانتها بين كل اللغات والشعوب. فإن الواقع يكذب ذلك، بل ربما يدفعنا إى القول: إن الاعلام العربي – بكافة صورة وأشكالة – قد يسهم فى مزيد من التشويه للثقافة العربية ، ومن المصاعب التي تواجه الجهود الرسمية المخلصة والمكثفة من أجل وضع اللغة العربية في المكانة اللائقة بها، ومزيد من التباعد بين الجماهير العربية وربما يتضح ذلك من خلال اللغة المحكية أو مفردات عامية للتعبير عن الأفكار والمواقف، في مقالات رأي رصينة أو تعليقات عبر الإذاعة أو القنوات الفضائية العربية فى تقديم برامجها، في حين يندر او يقل استخدام اللغة العربية الفصحى، والتي كان من الممكن أن تكون القنوات الفضائية أفضل الاوعية التى تعيد الحياة لها على ألسنة المشاهدين العرب، فمع انتشار الفضائيات العربية أصبحت اللهجات العربية أكثر شيوعاً فى إطار الرغبة فى تأكيد وجود الثقافات الفرعية داخل الثقافة العربية، الامر الذي يقوض احد أسس الوجود العربي ذاته، ويدعم تناحر الثقافات العربية الفرعية.ومع أن الأمر لم يرق بعد إلى حد اعتباره ظاهرة، إلا أن تكرار ظهور تلك المفردات، يثير المخاوف على مستقبل اللغة العربية، في مواجهة ما قد يعتبره البعض «ظلم ذوي القربى»، وذلك لأن الإعلام من أكثر الوسائل تأثيراً على المجتمعات.
إن بناء الامة العربية الواحدة وتعزيز التماسك بين أبنائها لن يتم الا عن طريق اللغة العربية وبواسطتها فهى مكون ارتكازي من مكونات الثقافة العربية,وعنوان هوية المجتمع العربي الإسلامي ؛ والحبل السري المتين الذي يربط بين أقطارها وأجيالها، وتعتبر ضرورة لبناء مهارات التواصل الإنساني، وهى محورية وأساسية في منظومة الثقافة لارتباطها بجملة مكونات من فكر وإبداع وتربية وتراث وقيم المجتمع العربي الإسلامي.وهى وحدها القادرة على أن تحيل التناقض القائم بين الامة الواحدة إى تكامل والتنافر إى تناغم ولن يتم ذلك إلا عن طريق التعليم من ناحية وباستخدام آليات الاعلام الحديثة ووسائطها المختلفة من ناحية ثانية فاللغة تعيش أزمة حقيقية سواء فى الوسائط الاعلامية أو فى مؤسسات الدول العربية. انها مشكلة حقيقية تواجه اللغة العربية في عصر العولمة والانفتاح الثقافي وسيطرت اللغات الأجنبية علي وسائل الإعلام.