إبراهيم الوردي

ينطلق تحليلنا الإخباري هذه المرة من آخر الأخبار الخاصة بالحياة السياسية الفرنسية، وخاصة تغيير اسم حزب يمين الوسط من “الاتحاد من أجل حركة شعبية Union pour un mouvement populaire” المعروف اختصار بــ UMP إلى حزب “الجمهوريين” “Les Républicains”. قد يقول قائل: وما شأننا بالأحزاب السياسية الفرنسية وصراعاتها؟! ربما، لكن يجب استحضار مكانة فرنسا وعلاقاتها ببلادنا وما يجري فيها. فمن نافلة القول أن فرنسا تعتبر الشريك الاقتصادي الأول للمغرب في العالم، كما أن ارتباط المغرب بهذا البلد واستلهامه لكثير من أدبياته القانونية والاجتماعية والثقافية لا يخفى على أحد. وفوق هذا وذاك فأكبر حجم للجالية المغربية في الخارج يوجد بفرنسا. ويالعودة إلى مكونات الساحة السياسية الفرنسية وتأثيرها على العلاقات مع المغرب؛ فإن تاريخ هذه العلاقات يفيد أنها تبلغ مستوى كبيرا من المتانة عندما يكون يمين الوسط الفرنسي في الحكم، فيما كل الأزمات في هذه العلاقات احتدت في فترات حكم اليسار.
وبالعودة إلى مجريات الأحداث، فيوم السبت الماضي، انعقد جمع عام لمنتسبي حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية تم فيه تغيير اسم الحزب ليصبح “حزب الجمهوريين”. يأتي هذا التحول في خضم واقع سياسي فرنسي أقرب إلى الركود وقلة اكتراث أو لنقل امتعاض وسأم الفرنسيين مما أصبحت عليه الوضعية السياسية في بلادهم والمتجلية في:
أولا: عجز الحزب الاشتراكي الحاكم عن تحقيق نتائج ترضي الفرنسيين الذين عبروا عن عدم رضاهم عن طريقة تسيير بلادهم. فاستطلاعات الرأي تفيد حصول الرئيس وحكومته على أضعف النتائج في تاريخ الجمهورية الخامسة على الإطلاق.
الثاني: توالي الفضائح والتصدعات ولو غير معلنة في صفوف المعارضة اليمينية المعتدلة أي حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية، وصلت إلى القضاء رغم صدور أحكام بعدم المتابعة في حق عدد منهم. إذا فالمعارضة المعول عليها في وضعية لا تؤهلها للقيام بدورها المطلوب.
الثالث: وبين حكم ضعيف ومعارضة منفكة، وجد الفرنسيون أنفسهم أمام خيار اليمين المتطرف المجسد في حزب الجبهة الوطنية “Front National حيث نجح في الانتخابات الأخيرة لبعض المقاطعات في تحقيق مكتسبات غير مسبوقة، اعتبرها المراقبون نوعا من “العقاب” للحكم والمعارضة، وليس اقتناعا بنهج وآراء الحزب، لكن المشاحنات والتصدعات بين أفراد عائلة لوبين “LePen” التي أسست وتهيمن على الحزب جعلت هذا الأخير ينكمش من جديد.
ماذا بقي للفرنسيين إذا في ظل هذه الأجواء؟!! من هنا جاءت فكرة نيكولا ساركوزي، أن يقوم بخطوة واحدة لضرب هدفين:
الأول: جعل الفرنسيين ينسون ما علق بحزبه، ويجمع شمل اليمينيين والمتعاطفين معهم؛
الثاني: تمكينه من قيادة الحزب بتطلعات شخصية أولها العودة إلى قصر الإليزيه الرئاسي عبر بوابة الانتخابات الرئاسية لسنة 2017.
ومن أجل ذلك، اختار ساركوزي اسما له أكثر من دلالة. فكلمة “الجمهوريون” توحي أن من ينتسب إلى الحزب هو أكثر حرصا على قيم الجمهورية من غيره.. وفي ذلك تلميح غير مباشر ـ يقول خبير سياسي – إلى الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأمريكية المعروف بتشدده في الدفاع بقوة عن كل شيء يرى فيه المصلحة لبلاده ولطبقة معينة بصفة خاصة. والسؤال المطروح هو: هل مجرد تغيير اسم الحزب كفيل بتحقيق هذين الهدفين؟ لايملك أحد القطع في الجواب. فالفرنسيون يتساءلون عن فائدة تغيير الاسم إذا كانت نفس القيادات المسؤولة عن تدني شعبية الحزب هي التي ستأخذ زمام الأمور في الحزب الجديد، وإذا كانت نفس التجاذبات وصراعات المصالح مستمرة. فالجميع هناك يعرف المنافسة الشديدة بين ثلاثة أقطاب؛ هم: آلان جوبيه Alain Jupée، وزير الخارجية الحالي والذي لاتخفى طموحاته الرئاسية في مواجهة ساركوزي، وفرانسوا فيون François Fillon الوزير الأول السابق الذي لازالت ترن أصداء حربه المفتوحة مع ساركوزي على زعامة الحزب بعد استقالة جون فرانسوا كوبيه Jean François Copé منذ حوالي سنة، على إثر فضيحة بيغماليون Bygmalion المتعلقة بالنفخ في حسابات وفواتير الحملة الانتخابية لساركوزي. ويضيف معلق فرنسي ساخرا: إن الاسم في السياسة قد لايعني شيئا وقد يكون مدعاة للسخرية؛ فمثلا دولة كوريا الشمالية تسمي نفسها جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، وبينها وبين الديمقراطية مسافة أبعد مما بين باريس وبيونغ يانغ.
وكخاتمة، فبعض المحللين السياسيين يرون أن حزب الجمهوريين الجديد قد يخرج من هذه الدوامة بتحقيق مكاسب في الاستحقاقات الانتخابية القادمة ليس لقوته بل لحالة شبه الفراغ في الساحة السياسية الفرنسية. وفي غياب بديل قوي فالفرنسيون سيلجئون في الأخير إلى أقل الضررين وأهون الشرين. وطبعا الاختيار الاضطراري لن يكون لا الحزب الاشتراكي الحاكم الضعيف ولا المتطرفين اليمينيين المخالفين لثقافة الجزء الغالب من المجتمع الفرنسي، بل يعتقد أنهم سيمنحون ثقتهم اضطراريا لهذا الحزب الجديد القديم ذي التوجهات الديغولية المعروفة.