نشرت جريدة “البلاد” المقال التالي على صفحتها الأولى، وتوخيا من “ماذاجرى” لنقل الاخبار والانطباعات لقرائها، ننشر فيما يلي تحليلا أكثر تعبيرا:
شكلت العودة المفاجئة لملف العلاقات الثنائية بين الجزائر والمغرب محورا هاما في الساحتين السياسية والإعلامية للبلدين، فقد اهتمت الصحف المغربية كما الجزائرية بالزيارة المفاجئة التي قادها الوزير المنتدب المكلف بالخارجية والتعاون إلى الجزائر، وأجمعت قراءات المحللين على أن البلدين وصلا إلى مستوى متقدم في التفاهمات على مختلف الأصعدة، وأن الظهور الإعلامي لهذه المحادثات جاء بعد أن تم وضع قطار بناء العلاقات الثنائية على سكته الصحيحة.
وقد أطلت ملامح الأجواء الصافية في العلاقات الثنائية بين الجزائر والمغرب هذا الصيف، وبعكس صائفة 1994 التي تلبدت فيها الغيوم بين البلدين فأمطرت قطيعة سياسية ودبلوماسية عمرها 22 سنة، فإن زيارة الوزير المنتدب للشؤون الخارجية والتعاون الذي حمل رسالة الملك محمد السادس للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، فتحت باب مستقبل العلاقات الثنائية على مصراعيه.

ولا شك أن المستوى العالي للتمثيل السياسي والأمني للوفد المغربي الذي حظي باستقبال جزائري رفيع المستوى ممثلا في الوزير الأول عبد المالك سلال، تعبير عن مدى الجدية التي يوليها الطرفان من أجل الدفع بالعلاقات بين البلدين إلى أعلى مستويات التقدم، ولأن الملفات الأمنية شكلت طيلة 22 سنة من الجمود حجر عثرة في طريق أي تقدم، فإنها جاءت في صدارة محادثات يوم الجمعة الماضي لتؤكد حتمية التعاون في شتى فصولها.

مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، مكافحة التهريب والهجرة السرية.. ملفات يتم التداول بشأنها أمنيا، بأبعاد سياسية واضحة تهدف إلى إذابة جليد سنوات الجفاء الذي عكسته التوترات متعددة المصادر والأسباب.
وفي الشق السياسي، فإن مؤشرات عدة تؤكد أن اللقاءات العلنية تكون قد سبقتها اتصالات بعيدة عن الأضواء، يسرت التوصل إلى قاعدة مشتركة لتعاون يروم التنسيق العملي في شتى المجالات على ضوء تطورات الوضع الأمني عربيا وإقليميا ودوليا.
فعودة الدفء للعلاقات بين البلدين هو في الحقيقة خطورة متقدمة لرص صف الدول المغاربية على طريقة دول مجلس التعاون الخليجي، وستؤدي دون شك إلى المواجهة المثلى للعديد من التهديدات الأمنية في المنطقة، كما سيريح بلدانا عربية أخرى من أعباء الاصطفاف مع طرف ضد طرف آخر، فيما تفرعت الأزمة الأمنية الحادة لدول الشرق الأوسط والخليج ولازالت تلقي بظلالها على استقرار المنطقة.
العلاقات بين الجزائر والمغرب ليست آيس كريم لصيف ساخن، بل هي التاريخ والجغرافيا والامتداد الشعبي والمصير المشترك، وكان مؤتمر طنجة المغاربي عام 1958 أول خطوة سياسية عملية، عكست الوعي السياسي العالي للقادة السياسيين في دول المغرب العربي، خطورة تشجع قادة الدول في الوقت الحالي على المضي قدما نحو بناء هذا الحلم الذي طال أمده.