د. احمد بن سالم باتميرا

صدمة او زلزال، ولكنه اختيار شعب وقرار وشأن داخلي، ليس لاحد فيه “ناقة ولا جمل” فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بقرار وبفارق ضئيل يصل الى 2%من اصوات البريطانيين، احترمته الحكومة، زلزال لم يهز اركان المملكة المتحدة فحسب، بل هز أيضا الاتحاد الاوروبي وكلّ الأسواق المالية العالمية في وقت هبطت العملة البريطانية الى ادنى مستوى منذ العام 1985م.
الحرية والديمقراطية، سمة العالم المتحضر، ورغم ما فعله “ديفيد كاميرون” رئيس الوزراء البريطاني المنتخب من الشعب والذي قاتل بكل ما يملك للبقاء، الا انه اضطر للخروج للشعب والقبول بنتيجة الاستفتاء.وسيتحمل البريطانيون جزءاً كبيراً من المسؤولية عما ستؤول إليه أوضاعهم السياسية والاقتصادية، فاحيانا الشعارات “لا تغني ولا تسمن”.
48 في المائة قالوا لا للخروج وهم ليسوا قلة، ومع ذلك احترم رأي الاغلبية التي زادت بأقل من اثنين في المائة، ولم تشهد بريطانيا مظاهرات او غلق للمحلات، او تحطيم للسيارات، او تبادل الاتهامات بالخيانة والعمالة، ولم يشكك أحد في وطنية أحد، كما يحدث في بعض دولنا العربية التي لا ترضى برأي الاغلبية ولا بنتائج الاستفتاءات والاقتراعات.
ما حدث في بريطانيا، درس لكل العرب، فاختار البريطانيون الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، في استفتاء تاريخي، يهدد بتفكيك الاتحاد الاوروبي، نوعا ما، وربما تقسيم المملكة المتحدة اذا استمرت المطالبات الاسكتلندية والايرلندية باجراء استفتاء لهم للخروج منها، هذه التداعياتجعلت العديد من السياسيين البريطانيين يحذرون من أن يُؤدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ثم انفصال اسكتلندا، إلى تقسيم المملكة المتحدة، وعودة التوتر والنزعة الانفصالية لأيرلندا الشمالية.
نعم استجابت الحكومة البريطانية بكل مسؤولية وديمقراطية لرأي الشعب، لان رأي الشعب يحترم وعلى الشعب ان يتحمل تبعاته والمسؤولية التاريخية عن خياره الذي ستترتب عليه أوضاعه الجديدة القادمة.
لسنا هنا بصدد مناقشة فوائد أو مضار الخروج أو البقاء، فالأمر قد انتهى وحسم البريطانيون الجدل ووجدوا مصلحتهم في الاستقلال عن المنظومة الأوروبية الموحدة.. فلماذا لا يكون العرب مثلهم، ألسنا قادرون على تحديد مصيرنا في الحاضر والمستقبل؟ بدلا من المطالبة بمظاهرات واسقاط الحكومات. ليس هناك أفضل من الديمقراطية التي اجبرت رئيس وزراء بريطانيا ترك السلطة في اكتوبر القادم لأنه خسر رهانه على البقاء ضمن الاتحاد الأوروبيرغم كل نداءاته واستغاثاته للبقاء في الاتحاد.
قضي الأمر، لان قضية المهاجرين كانت الهم الأكبر الذي دفع الشعب البريطاني للتصويت لصالح الخروج خوفا من اخذ المهاجرين لأعمالهم ووظائفهم،فغلب البريطانيون مصالحهم الوطنية على مصالحهم الاقتصادية. وخيبوا كل الامالوالتوقعات.
سيعاني الاتحاد الاوروبي بخروج المملكة المتحدة منه، وستعاني بريطانيا من الخروج وستدفع ثمنه لاحقا، رغم كونه خيار شعب يحترم، ومع ذلك هناك ما قد يدفع ايضا شعوبا أوروبية واقاليم للتفكير في الاستقلال او الانفصال، مثل دعوات الكتالونيين في إسبانيا ، كما حدث في تشيكوسلوفاكيا التي قسمت إلى دولتين ويوغوسلافيا التي قسمت لخمس دول. كما هناك تلميحات مع ساسة معارضين في هولندا وفرنسا للخروج من الاتحاد والحذو حذو بريطانيا.
الاستفتاء.. انتهى ، وقالت المملكة المتحدة كلمتها، لانهم لا يعرفون العنصرية او القبلية في الاختيار والتعيين ويقدمون المصلحة العامة على المصالح الفئوية .. او هذه دولة كبرى وهذه صغرى، الكل سواسية في السراء والضراء وملتزمين بقرارات الاتحاد ورأي شعوبهم.

عن جريدة الوطن