السيد الرئيس،
 اسمحوا لي في البداية، وقبل التطرق إلى تطورات ومستجدات الحوار الاجتماعي، أن أذكركم بالسياق العام الاقتصادي والمالي والاجتماعي لهذا الملف.
 وهنا لابد من التنويه إلى أن الحكومة عند توليها للمسؤولية في 2012، وجدت أمامها 3 معضلات أساسية تتجلى في :
أولا- ظرفية اقتصادية صعبة وحرجة بفعل الركود الاقتصادي لشركائنا، واستمرار ارتفاع وتقلب أسعار المواد الأولية، وعلى رأسها المحروقات، وتراكم ديون الدولة اتجاه القطاع الخاص بصفة عامة، وشركات المحروقات بصفة خاصة والتي راكمت لوحدها ما يناهز 21 مليار درهم من المتأخرات؛
ثانيا- اختلال عميق وخطير للتوازنات الماكرو اقتصادية، تمثل في تدهور كبير للمالية العمومية وللحساب الخارجي، حيث بلغ عجز الميزانية 7.3 % من الناتج الداخلي الخام، وبلغ عجز حساب العمليات الجارية 9.7 % من الناتج الداخلي العام،
ثالثا – التزامات اجتماعية ثقيلة ومكلفة، في إطار اتفاق 26 ابريل 2011، الذي وقعته الحكومة السابقة في الظروف التي تعرفونها، وتحملت الحكومة الحالية مسؤولية تعبئة الإمكانيات المالية اللازمة للوفاء بها، والتي تجاوزت 13 مليار درهم سنويا.
السيد الرئيس المحترم،
 في ظل هذا السياق المضطرب، عقدت الحكومة أول لقاء مع المركزيات النقابية في مارس 2012، أي أسابيع فقط بعد تنصيبها، وتم الاتفاق في شتنبر من نفس السنة على إحداث “اللجنة العليا للتشاور” إلى جانب “اللجنة الوطنية للحوار الاجتماعي” و”خلية لدى رئيس الحكومة لتتبع حل النزاعات المستعصية”.
 كما حرصت الحكومة طوال السنوات الخمس الماضية على عقد اجتماعات الحوار الاجتماعي، حيث عقدت مع الشركاء الاجتماعيين ما بين 2012 و2015، 8 جولات للحوار، فضلا عن اجتماعات اللجان الموضوعاتية واللجان القطاعية، واللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد.
 وخلال شهري أبريل وماي 2016، تم عقد 4 جولات للحوار الاجتماعي ثلاثي الأطراف برئاسة رئيس الحكومة.
 كما عقدت اللجنة التقنية التحضيرية لهذا الحوار 8 جلسات للمناقشة والتفاوض حول النقط المدرجة في جدول الأعمال والتي همت تحسين الدخل والمعاشات؛ ومتابعة اتفاق 26 أبريل؛ واحترام الحريات النقابية؛ وإدماج القطاع غير المهيكل؛ وتعزيز الحماية الاجتماعية؛ والتشريع الاجتماعي؛ وإطلاق الحوار القطاعي؛ وإصلاح أنظمة التقاعد؛ ومأسسة الحوار الاجتماعي وتطوير التفاوض الجماعي.
 وبعد دراسة مطالب مختلف الأطراف، وفي إطار ما تسمح به إمكانيات الدولة حاليا، اقترحت الحكومة في البداية على الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين عرضا بتكلفة مالية قدرها 2 ثم 3 لتصل إلى 6 مليار درهم، يتضمن بالأساس ما يلي:
1. بالنسبة لتحسين الدخل:
– رفع التعويضات العائلية من 200 إلى 300 درهم في الشهر عن كل طفل في حدود ثلاثة أطفال، ومن 36 إلى 136 درهم في الشهر عن كل واحد من الأطفال الآخرين؛ وهو ما يعني زيادة في الأجر قد تصل إلى 600 درهم شهريا؛
– الزيادة في منحة الولادة من 150 درهم عن كل ولادة إلى 1.000 درهم، بكلفة مليار درهم؛ علما أن هذه المنحة لم تعرف أي تغيير منذ 1958 ؛
– إحداث درجة جديدة بالنسبة للهيئات المرتبة في الدرجات والسلالم الدنيا، لا سيما المساعدون الإداريون والمساعدون التقنيون؛ مع مواصلة الحوار حول إحداث درجة جديدة بالنسبة لباقي الهيئات المعنية بطريقة تدريجية؛
– الرفع من الحد الأدنى للمعاش من 1000 إلى 1500 درهم، بكلفة 500 مليون درهم؛
– إطلاق المشاورات بشأن إصلاح التعويض عن الإقامة والمناطق النائية.
2. بالنسبة للحريات النقابية:
– إحداث لجنة ثلاثية للتشاور حول مشروع القانون التنظيمي للإضراب، على أن تنهي أشغالها في أجل محدد؛ وتواصل نفس اللجنة المشاورات بشأن الفصل 288 من القانون الجنائي وقانون النقابات المهنية؛
– إحداث آلية وطنية لفض النزاعات المستعصية والوقاية منها.
3. بالنسبة للحماية الاجتماعية:
– توسيع التغطية الصحية لتشمل الأبوين بالنسبة للموظفين والأعوان؛
– إحداث مؤسسة للأعمال الاجتماعية بالقطاعات الحكومية التي لا تتوفر عليها؛
– إصدار القوانين المتعلقة بحوادث الشغل والأمراض المهنية ومعاش الزمانة بالقطاع العام؛ وبالصحة والسلامة المهنية، وطب الشغل والوقاية من الأخطار المهنية للقطاعين العام والخاص؛ وبنظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بفئات المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء الذين يزاولون نشاطا خاصا.
4. فيما يخص إدماج القطاع غير المهيكل:
– إحداث آلية ثلاثية التركيب لتتبع وتقييم إجراءات إدماج القطاع غير المهيكل.
5. فيما يخص تشريعات الشغل:
– إصدار القانون المنظم للتكوين المستمر بالقطاع الخاص؛
– إطلاق التشاور لمراجعة مدونة الشغل وفق توصيات المناظرة الوطنية لسنة 2014.
6. فيما يخص إصلاح أنظمة التقاعد:
– إصدار قانون-إطار لإصلاح أنظمة التقاعد وفق التوجهات العامة التي حددتها اللجنة الوطنية مع تحديد سقف زمني للإصلاح؛
– تحسين حكامة صناديق وأنظمة التقاعد؛
– إصدار قانون إحداث نظام للمعاشات لفائدة المهنيين المستقلين والأشخاص غير الأجراء الذين يزاولون نشاطا خاصا.
 وفي الوقت الذي قطع فيه الحوار أشواطا مهمة، طالبت ثلاث مركزيات نقابية بتوقيع اتفاق جديد مع الحكومة على شاكلة اتفاق 26 أبريل مع التنصيص على إعادة إصلاح نظام المعاشات المدنية إلى طاولة المفاوضات، وتقدمت بمذكرة جديدة تضمنت مطالب يقدر أثرها المالي ب 40 مليار درهم سنويا، في حين عبر الاتحاد العام لمقاولات المغرب عن عدم قبول أي زيادة في الحد الأدنى للأجر أو في المعاشات.
 وقبل أن يتم إعلان نهاية جولة الحوار الاجتماعي، سارعت جل المركزيات النقابية إلى الدعوة إلى إضراب وطني في الوظيفة العمومية وعملت بعض النقابات على عرقلة مناقشة مشاريع القوانين بمجلس المستشارين بشكل يتنافى تماما مع دور وأخلاقيات هذه المؤسسة الدستورية.
ثانيا- خصصت الحكومة إمكانيات هائلة لتنفيذ التزاماتها وحققت نتائج معتبرة:
السيد الرئيس،
 لقد سلكت الحكومة مع المركزيات النقابية والفاعلين الاقتصاديين مقاربة إرادية مبنية على الصراحة والوضوح والواقعية، كما هو شأنها منذ البداية مع مختلف الشركاء ومع الرأي العام الوطني، واقترحت حلولا تأخذ بعين الاعتبار الظرفية الاقتصادية والمالية للبلاد وضرورة توجيه وتركيز الجهود على تحسين وضعية الفئات الأكثر هشاشة، وهو ما لم يلق التجاوب المنتظر ووجه في المقابل بمطالب عامة تعجيزية.
 والواقع، أن الوضعية الاقتصادية عموما، والمستوى الذي وصلت إليه كتلة الأجور لا تسمح بأي هامش للتحرك بالنسبة للحكومة.
 فبلادنا لم تتعاف بعد كليا من تداعيات الظرفية الاقتصادية والمالية الصعبة التي مرت بها والتي أخلت بالتوازنات المالية الكبرى. إذ أنه وبالرغم من كون المجهودات التي بذلتها الحكومة لتصحيح الوضع، مكنت من تحسين عجز الميزانية من 7.3% من الناتج الداخلي الخام سنة 2012 ليصل 3.5% نهاية هذه السنة بحول الله، فإنه يتعين مواصلة مجهود ضبط النفقات العمومية وتحسين تنافسية وجاذبية الاقتصاد الوطني.
 وبالرغم من هذه الوضعية الصعبة، فإن الحكومة الحالية وبالإضافة إلى تنفيذ اتفاق 26 أبريل 2011، استجابت لمطالب جديدة، كما تبين ذلك الأرقام والمعطيات التالية:
– تخصيص 13.2 مليار درهم سنويا لتنفيذ اتفاق 26 أبريل فيما يتعلق بالزيادة في الأجور والرفع من الحد الأدنى للمعاش والحوارات القطاعية.
– اتخاذ تدابير لتحسين وضعية الشغل والحماية الاجتماعية بالقطاع الخاص، منها:
1. تصحيح الخلل المتعلق بشرط استيفاء 3240 يوم انخراط للاستفادة من المعاش في القطاع الخاص.
2. توسيع التغطية الاجتماعية من 2.1 مليون مستخدم في 2011 إلى 3.1 في 2015، وارتفاع نسبة التغطية الصحية من 34 %سنة 2011 إلى 63% حاليا، على أن تصل 95% بدخول التغطية الصحية للمستقلين حيز التنفيذ.
3. توسيع سلة العلاجات التي يغطيها CNSS.
4. الرفع من الحد الأدنى للمعاش لفائدة 12.500 مستخدم بالنسبة للنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد.
5. الرفع من الحد الأدنى للأجر في القطاع الخاص ب10% وبالوظيفة العمومية إلى3000درهم صافية شهريا.
6. إخراج نظام التعويض عن فقدان الشغل بكلفة قدرها 500 مليون درهم.
7. إخراج عدة مشاريع قوانين لفائدة الشغيلة كتلك المتعلقة بحوادث الشغل، والعمال المنزليين، ومدونة التعاضد، والصحة والسلامة المهنية وعلاقات وشروط الشغل في الصناعة التقليدية.
 هذا بالإضافة إلى المجهودات المبذولة على مستوى البرامج الاجتماعية كتفعيل صندوق دعم التماسك الاجتماعي لتمويل تعميم نظام المساعدة الطبية، ومحاربة الهدر المدرسي، وتمويل الدعم المباشر للنساء الأرامل، وتفعيل صندوق التكافل العائلي للنساء المطلقات، وتخفيض أثمنة أزيد من 2000 دواء، وتخصيص أكثر من50% من الميزانية العامة للقطاعات الاجتماعية (130 مليار درهم هذه السنة).
 كما صادقت الحكومة على مشاريع قوانين إصلاح نظام المعاشات للموظفين، منذ 7 يناير 2016، وذلك من أجل إنقاذ الصندوق المغربي للتقاعد والذي يهدد وضعه أكثر من 400 ألف أسرة في أفق 2022. وهو الإصلاح الذي جاء تتويجا لمسار طويل من الدراسات والمشاورات وبعد سنوات من الحوار مع النقابات، وبعد الاطلاع على توصيات المجلس الأعلى للحسابات واستشارة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
 وقد تضمن المشروع، إلى جانب الإصلاحات المقياسية، مقتضيات تهم الرفع من الحد الأدنى للمعاش من 1000 إلى 1500 درهم، على 3 سنوات.
 كما أخرجت الحكومة مشروع قانون يرمي إلى إحداث نظام للتقاعد لفائدة المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء، وعلى مشروع قانون بإحداث نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض لفائدة نفس الفئات، مما سيمكن تدريجيا فئات عريضة من المجتمع من الاستفادة من التغطية الصحية والتقاعد، وبالتالي الرفع من نسبة التغطية الاجتماعية ببلادنا.
السيد الرئيس،
 إن التحدي التي تواجهه بلادنا اليوم، ليس هو تركيز المجهود العمومي على وضعية الطبقات التي تعيش وضعا لا بأس به، بل هو كيفية إيصال جزء من المجهود التنموي لبلادنا إلى الفئات الضعيفة والمهمشة المتواجدة في أدنى السلم الاجتماعي، لأن تحقيق السِّلم الاجتماعي الحقيقي يتأتى من خلال إدماج الفئات والمجالات المقصية والمهمشة في الدورة الإنتاجية والتنموية.
 كما أنه ليس من المنطقي أن يقتصر الحوار مع النقابات دوما على الزيادة في الأجور، بل ينبغي أن يستحضر أيضا وعلى الخصوص السبل الكفيلة بالرفع من المردودية والإنتاجية ومن تنافسية الاقتصاد الوطني وسبل خلق فرص الشغل المنتج لاستيعاب سوق الشغل لأكبر عدد ممكن من السكان النشيطين.
 إن ما تحقق من مكتسبات اجتماعية في ظل ظرفية اقتصادية هشة، وخاصة لدى شركاء المغرب الاقتصاديين، يعتبر إنجازا حقيقيا وتعبيرا عن حرص الحكومة على ضمان شروط التوازن والاستقرار الاجتماعي، وهو ما حظي بتقدير مختلف المؤسسات الدولية، وعزز ثقة المستثمرين في صحة الاقتصاد الوطني.
 إن بلدنا اليوم في أمس الحاجة إلى تضافر جهود الجميع، فرقاء اجتماعيين واقتصاديين وحكومة، من أجل توفير الظروف المناسبة لتسريع وتيرة النمو وإرساء الآليات اللازمة من أجل تحقيق التوازن والعدالة الاجتماعية لبلدنا، وضمان سبل العيش الكريم لكل المواطنين والفئات.
والله ولي التوفيق، والسلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته.