بعد تواتر الأخبار التي سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف اختصارا بـ”داعش” على 50 % من الأراضي السورية، وكل محافظة الأنبار بالعراق، أصبح المراقبون السياسيون والعسكريون يطرحون أسئلة حول حقيقة الموقف الأمريكي من هذه الأحداث. أو بالأحرى، “الصمت الأمريكي” تجاه ما يجري هناك. ويجد هذا السؤال الذي يحمل كثيرا من اللمز والغمز، شرعيته في كون أمريكا تعهدت بالقضاء على هذا التنظيم الذي تنعته بالإرهابي، في إطار حربها الشاملة والمعلنة على تعقب الإرهابيين أينما كانوا وقتلهم أو محاكمتهم. ويرجع الخبراء أسباب تحقيق هذا التنظيم لتلك الانتصارات على جيشين نظاميين هما؛ العراقي والسوري، إلى جملة من الأسباب والحيثيات:

ففي الجانب العراقي: فالحرب تحولت إلى طابع الطائفية، حيث أن سكان محافظة الأنبار ذات وهم من الطائفة السنية، ينظرون بعين من الشك والريبة والخوف إلى الجيش النظامي العراقي المكون في غالبيته من الشيعة. والمساند بالعتاد والرجال من جانب إيران الشيعية، علاوة على تكتلات “الحشد الشعبي” وهم كتائب عسكرية مؤلفة من أفراد الطائفة الشيعية بالعراق. فهؤلاء مجتمعين وبعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين قاموا بأعمال حربية دامية ضد الطائفة السنية. وعليه فهؤلاء أصبحوا كتخوفين من كل ما يستهدف محافظتهم من الشيعة ولو بالخير. وعلى هذا الاعتبار، ومن باب اختيار أهون الشرين، فالسنة العراقيون يفضلون تطرف “داعش” على ممارسات القمع والتنكيل الشيعية. وبالتالي فمن المستبعد أن يتحالفوا مع الجيش والحشد الشعبي لمواجهة داعش. وعليه فأمام تقدم داعش وتقهقر الجيش العراقي، رغم التعاون الكبير والتسليح من التحالف وإيران، لم يبق أمام النظام العراقي سوى أن تسعى إلى مزيد من “الانخراط الأمريكي” وهنا مربط الفرس. فالولايات المتحدة قدمت السلاح والخبرة العسكرية بما فيها الأقمار الاصطناعية والطائرات بدون طيار، ومختلف أنواع الأسلحة لكن دون جدوى. ويحلل الخبير العراقي، غسان العطية، هذا التناقض، قائلا أنه بالرغم من كل ما تقدمه الولايات المتحدة من أسلحة وخبرات، فإن الوضع في الأرض لن يتغير سوى بتدخل عسكري أمريكي مباشر وعلى الأرض، بمعنى إرسال قوات برية أمريكية إلى العراق. وهذا ما ترفضه إدارة الرئيس أوباما لسبب بسيط؛ أن أوباما بنى أسس حملته الرئاسية على التعهد بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان والعراق. فكيف يعيدها إليه؟! ولكي يخرج من هذا النفق، فقد صرح أوباما نفسه، أن القضاء على “داعش” يتطلب مرحلة طويلة قد تكون ثلاث سنوات. وليس صعبا على المرء أن هذه المدة كافية لتصل به إلى نهاية ولايته الرئاسية الأخيرة في سنة 2016؛ حيث لا يحق له أن يترشح من جديد. وبمعنى أوضح أنه يترك هذا الملف المعقد إلى من سيأتي من بعده، من باب “كل توخيرة وفيها خير” أو “أنا ومن بعدي الطوفان”.

وفي الجانب السوري: فإن اكتساح داعش باقي المعارضة للأرض، ينظر إليه أمريكيا بعين الرضى، من منطلق أن “عدو عدوي صديقي ولو مؤقتا”، ذلك أن أمريكا وكثير من الأطراف الأخرى أعلنت دون مواربة عن رغبتها الأكيدة في انهيار نظام بشار الأسد في سوريا. وفي غياب إمكانية تدخل مباشر من أمريكا والغرب عموما، بفعل الفيتو الروسي الصيني في مجلس الأمن الدولي، فإن ذلك سيعتبر خدمة غير مباشرة للطرف الغربي. ومن هنا تغمض أمريكا طرفها عن تقدم داعش في سوريا.

وأخيرا، وإضافة إلى ما سبق، فأمريكا ستحقق مكسبا آخر لايقل أهمية؛ بل قد يكون الأهم، وهو أنها تترك فرصة لداعش، حتى يصبح مثل ذلك الغول الذي لايمكن لأحد في الشرق الأوسط أن يبعده سوى أمريكا. وهكذا سيكون بإمكانها الضغط في آن واحد على الدول العربية الخليجية، وإيران. حيث سيصبح الاختيار هو: أمريكا أو داعش.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ