عندما تستعرض صور تلك المدينة السورية، يخال لك الأمر أنك بصدد مشاهدة صور مدينة وليلي الأثرية المغربية. ولا غرابة في ذلك، فكلتا الآثار في المدينتين تعودان لنفس الدولة الرومانية وحضارتها. ولنبدأ بتسمية المدينة “تدمر”، حيث يعود أقدم ذكر لها باسمها الحالي إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، ولا يعرف لهذا الاسم معنى مؤكد. غير أن البعض يذهب إلى أنه قد يكون مشتقا من كلمة «دَمَر»، التي تعني “حَمَى”، في لهجات الجزيرة العربية القديمة، وفي اللغات الإغريقية واللاتينية واللغات التي تطورت عنهما. وفي اللغات الأجنبية، سميت بــ “بالميرا”Palmyra المشتق من اسم النخيل.

تقع هذه المدينة الأثرية في البادية وسط سورية على ارتفاع يتراوح بين 400 حتى 1400م، وتبعد 215 كيلومتر عن مدينة دمشق العاصمة، و150 كلم من نهر الفرات و160 كيلومتر من مدينة حمص. وتعرف حاليا في سوريا باسم “عروس الصحراء”. أسست المدينة في البداية كمحطة للقوافل في القرن الأول قبل الميلاد، لتصبح فيما بعد جزئا من المقاطعة الرومانية في سورية. وأخذت أهميتها تكبر بشكل مطرد كمدينة على طريق التجارة التي تربط بلاد فارس والهند والصين مع الإمبراطورية الرومانية، وكعلامة واضحة على مفترق طرق عدة حضارات في العالم القديم.

ازدهرت تدمر في عهد الملك “أذينة” الذي كان موالياً للرومان، وهو الملك الذي استعاد الأراضي التي فقدتها الإمبراطورية من الفرس. وبعد اغتيال “أذينة” تولت زوجته “زنوبيا” الحكم، وقد كانت تسعى إلى توسيع نفوذ مملكة تدمر إلى آسيا الصغرى ومصر، إلا أن طموحاتها انتهت في حربها مع الإمبراطور الروماني “أورليان” الذي احتل تدمر عام272 ودمرها…

وبالنسبة لقيمتها التاريخية، فقد وصفها الرحالة الإنجليزي روبرت وود بأنها: “تمثل خلاصة إبداع الإنسان التدمري من حيث الفن والعمارة؛ فقد جمع بين فنون الشرق العريق مع فنون الغرب ليصوغ منه أجمل قلادةٍ حضارية تزين جيد الشرق العربي إلى الأبد تتحدث إلى كل العالم بكل اللغات عن ماضٍ سعيد…

تحتوي تدمر على المئات من المنحوتات والتماثيل والأواني والمدافن الأثرية الضخمة والمباني الإدارية وغيرها؛ لكن أهمها هي: الشارع المستقيم: الشارع الأعظم المحفوف بالأعمدة والتي يمتد لمسافة عدة كيلومترات محاط بالأعمدة، مسرح تدمر: أي المسرح الأثري، الأغورا: أي السوق التاريخي، قوس النصر: أي البوابة الكبرى المعروفة بقوس النصر أو قوس هادريان، معبد بعلشمين، وادي القبور، مدفن زنوبيا، قلعة ابن معن، نبع أفقى الأثري، ومجلس الشيوخ، الحمامات، معسكر ديوكليتيان، السور، معبد بل، وغيرها.

وبعودتنا إلى الوقائع والأحداث الجارية الآن في سوريا، فالأخبار تؤكد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف اختصارا بـ”داعش” على مدينة تدمر بالكامل، مما يثير المخاوف، خصوصا في الأوساط الغربية، على مصير الكنوز الأثرية هناك من أن تلقى نفس مصير آثار مدينتي الحضر والموصل بالعراق؛ حيث تم تحطيم التماثيل القديمة المستقرة في المتاحف منذ زمن بعيد. وكمثال على هذه المخاوف، ما نشرته صحيفة دير شتوندارت der standard النمساوية، بقولها: “إن تدمير مآثر تدمر سيكون كارثة، وخسارتها ستكون مكلفة جدا للذاكرة الإنسانية”. واعتبرت الصحيفة مآثر تدمر في نفس أهمية متحف اللوفر بباريس، وبيترستوم بروما، وشتادس أوبرا بفيينا. وفي مقابل ذلك، تتساءل صحيفة ييني سافاك yenisafak التركية قائلة: إذا كان العنف الذي يبثه التنظيم لايثير فقط قلق الغرب، بل أيضا قلق العالم الإسلامي، فإن من حقنا أن نتساءل عن أبعاد المعضلة من الناحية الأخلاقية عندما تتعالى الأصوات في الغرب خوفا من تدمير “داعش” لمآثر تاريخية، بينما يعم الصمت على أرواح أبناء الشعب السوري التي تزهق وتخلف يوميا مآسي”، وذلك في إشارة إلى الضحايا الذين يخلفهم القصف العشوائي لطائرات النظام السوري حين تلقي بالبراميل المتفجرة على التجمعات السكانية المدنية بالخصوص.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ