ارتفع عدد المعتقلين الذين أحيلت أوراقهم على المفتي للمطالبة بإعدامهم منذ 3 يوليو 2013، في قضايا ترتبط بمعارضة السلطات، إلى 1472 معتقلا، تم تأييد الحكم بإعدام 287 منهم حتى الآن. وقد خلفت هذه الأحكام جملة من التساؤلات حول نزاهة وحياد القضاء المصري، خصوصا على إثر صدور أحكام اعتبرت جد متساهلة في حق أركان النظام السابق وعلى رأسهم الرئيس محمد حسني مبارك، في حين حكم بالإعدام على الرئيس المعزول محمد مرسي، وعدد من معاونيه. وفي هذا الصدد ارتفعت حدة ردود الفعل الشعبية حيث قام نشطاء وحقوقيون وسياسيون ببعث رسالة إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة؛ بهدف الضغط على السلطات المصرية لوقف أحكام الإعدامات في مصر، وذلك بعد أن سدت أمامهم كل الطرق في مصر لوقف نزيف أحكام الإعدامات المتزايد في مصر منذ انقلاب يوليو 2013. وقد ختم هؤلاء رسالتهم بعبارة: “”أوقفوا إعدام الوطن- أنقذوا المصريين سريعًا”.
إن المتتبع لمجريات الأحداث في مصر سيخلص إلى أن القضاء هناك أبعد كثيرا من الشعار الذي لازمه لمدة طويلة من أن “قضاء مصر شامخ ومستقل” فعلاوة على الطابع السياسي الذي يهيمن على محاكمات ما بعد الإطاحة بنظام مرسي، فمعظم الناس في مصر يعرفون أن سلك القضاء في بلاد الفراعنة تتوارثه أجيال من أسر تنتمي إلى طبقة معينة ليست طبعا من الفئات الشعبية التي تظل ممنوعة ضمنيا من هذه الوظيفة؛ إذ يعتبر عديدون أن المنصب لا يزال حكرا على طبقة اجتماعية معينة ولا يمكن للفقراء ولوج سلك القضاء في ظل سياسة التمييز والانتقاء بناء على الوضع المادي للمترشح وعائلته. وهذا الشعور ترجمه وزير العدل صابر محفوظ في تصريح رسمي تهجم فيه على فئة عمال النظافة معتبرا أن “ابن عامل النظافة لن يصبح قاضيًا، لأن القاضي لابد أن يكون قد نشأ في وسط مناسب لهذا العمل، وأنه لو أصبح قاضيًا سيتعرض لعدة أزمات منها الاكتئاب، ولن يستمر في هذه المهنة”. وعلى إثر ذلك، اندلعت موجة غاضبة من الاستنكار والاستهجان، بل دخل أحد المحامين عمليا على الخط؛ حيث تقدم المحامي محمد عبد العزيز ببلاغ لدى النيابة العامة المصرية يتهم فيه وزير العدل محفوظ صابر بالعنصرية على خلفية تصريحاته. ومن جهته، تفاعل نائب رئيس الجمهورية السابق محمد البرادعي مع موجة الغضب هناك، فكتب على موقع تويتر قائلا إن: “الإعلان العالمي لحقوق الانسان يؤكد أنه لكل شخص بالتساوي مع الآخرين حق تقلد الوظائف العامة في بلده”.

وكما يعلم الجميع فقد كلفت هذه التصريحات الوزير منصبه حيث استقال أو بالأحرى دفع إلى الاستقالة. لكن هذا الأمر لا يغير من واقع القضاء المصري في شيء.
وعلاوة على ردود الفعل الشعبية الغاضبة داخل مصر، فقد خلفت أحكام الإعدام ردودا أخرى متفاوتة خارج البلاد. فقد انتقدت منظمات وجهات حقوقية دولية، الحكم الذي أصدرته المحكمة، وطالبت بإلغاء الحكم، متهمة القضاء المصري بعدم النزاهة في إطلاق أحكامه.
واعتبرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن أحكام الإعدام الجماعية تعجل بحرمان القضاء المصري من أي سمعه بالاستقلال. وطالبت «مفوضية حقوق الإنسان»، التابعة للأمم المتحدة بإلغاء تلك الأحكام، وقال «روبيرت كولفيل» المتحدث باسمها «إن الأحكام الجماعية تثير دائما تساؤلات حول عدالة ونزاهة المحكمة التي أصدرتها.
وقالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي “فيديريكا موغيريني”: إن “قرار المحكمة الحكم بإعدام مرسي وأكثر من مائة من مناصريه في ختام محاكمة جماعية لا يتطابق مع الالتزامات الدولية لمصر”.
وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير، الذي ستستقبل بلاده حاكم مصر في زيارة لألمانيا خلال أيام، انتقد إحالة أوراق مرسي إلى المفتي قائلًا لـ “دويتشه فيله”: “بالنسبة لنا في ألمانيا فإن هذا الحكم شكل من أشكال العقاب الذي نرفضه رفضًا باتًا”. وقال شتاينماير: “من المهم بالنسبة للحكومة الألمانية أن يتصرف القضاء المصري وفقًا للحق والقانون وليس وفقًا للمعايير السياسية”. ورد الفعل الأمريكي كان أكثر ضعفا، واقتصرت على بيان من “مصدر” بالخارجية الأمريكية– رفض ذكر اسمه (!)- قال: إن الولايات المتحدة «تشعر بقلق عميق» من قرار محكمة مصرية بإحالة أوراق الرئيس الأسبق محمد مرسي للمفتي، مؤكدا: “اعتراضنا على مسألة المحاكمات والأحكام الجماعية التي تجرى بأسلوب لا يتطابق مع الالتزامات الدولية لمصر وسيادة القانون”. وقد اعتبر المحللون أن هذه المواقف (وخاصة الأوربية والأمريكية) متساهلة جدا لا تعكس حرص هذه الدول على الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية. وقد أرجع هؤلاء المحللون تلك المواقف إلى وجود نوع من مقايضة الصمت الغربي مقابل حجم الاستثمارات الكبيرة التي فتحها السيسي أمام تلك الدول.  وكان أقوى موقف رافض لسلوكيات القضاء المصري، ما عبر عنه الرئيس التركي أردوغان، الذي قال: إن “مصر تعود نحو الوراء”، وكان محور رده هو نقد الأوروبيين على صمتهم، و”وقوف الغرب الديمقراطي موقف المتفرج من قرار إعدام رئيس منتخب”.
خلاصة القول أن نظاما وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري، وينتهك نزاهة وحياد القضاء تسخيرا له لمصلحته، هذا النظام يحمل بين طياته عوامل تفككه وانهياره.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ