تشهد المؤسسات التابعة لقطاع التربية الوطنية هذه الأيام حركة محمومة في إطار التهييء لتنظيم انتخابات ممثلي الموظفين في اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء المزمع إجراؤها يوم 03 يونيو المقبل. وإذا كانت المعطيات المتوفرة حتى الآن تعكس انخراط المنتمين للقطاع في الممارسة الديمقراطية والعمل الجماعي التشاركي والتضامني (حسب موقع وزارة التربية الوطنية، فقد شارك في إيداع لوائح الترشيح 15 هيئة نقابية و 11 لائحة مستقلة، بنسبة تغطية تصل أحيانا إلى 100 % لبعض الهيئات النقابية)، فإن ذلك ليس سوى الوجه الظاهر للعملة، بينما يخفي الوجه الآخر وقائع تعاكس تماما جمال ولمعان الوجه الأول. إن ما يقوم بها “المناضلون” النقابيون إلا من رحم ربك، يجعل العرق يتصبب في جبين الشرف النقابي حياء من هول تلك الممارسات. ذلك أن الأمر يشبه إلى حد بعيد الدكاكين التجارية.

فإذا تجاوزنا مسألة التفرغ التي يستفيد منها النقابيون، بحيث يتم إعفاؤهم من أداء مهامهم التي يحصلون مقابلها على رواتبهم، فهناك عمليات شراء وبيع واسعة النطاق تتم في مختلف المستويات النقابية. وتحضرني في هذا الصدد بعض الأمثلة: ممثلو بعض النقابات يصرون على إعطاء أسبقيات لحالات “خاصة جدا” لاتستجيب للمعايير الإدارية أو المتوافق عليها. مثال ذلك: نقابة تعليمية تفرض على مسؤول جهوي نقل أستاذة من القرية إلى إحدى المدن رغم حداثة ولوجها للوظيفة، بينما يتم تجاهل ملف لموظفة أخرى عملت في البادية لما يزيد عن 20 سنة. لماذا؟! فقط لأن المستفيدة قريبة فلان أوعلان أو لأمور نفعية أخرى يصعب ضبطها. ومن أجل هذه “الامتيازات” فإن انتخابات ممثلي الموظفين في اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء، تعتبر فرصة لفتح مغارة علي بابا لدى طبقة من المنتفعين لايمكن تفويتها. ومن هنا تبدأ سوق انتخابية فيها من الغرائب ما قد ينافس كتاب غينيس للأرقام القياسية. فهذه نقابة تستكمل لائحتها للمرشحين بمن هب ودب، وتلك نقابة أخرى تستقطب من كان حتى الأمس معاكسا لتوجهاتها.

وهكذا يترشح أشخاص من دون مستوى المسؤوليات المنتظرة. وللتدليل على ذلك، فقد أخبرني أحد أعضاء لجنة جهوية مكلفة بتتبع وإجراء هذه الانتخابات على مستوى إحدى الأكاديميات، أن شخصا قدم لائحة نقابته للترشيحات في مطبوع “وصل استلام” الذي تشهد فيه الإدارة بتسلم اللائحة. فلما نبهت اللجنة هذا الشخص بالأمر، ارتبك أمامهم ولم يعرف ما يقدم ولا ما يؤخر وأخذ يعيد نقل الأسماء في المطبوع المطلوب أمام أعضاء اللجنة. فبالله عليكم كيف لشخص جاهل مثل هذا أن يدافع عن مصالح الموظفين؟ وعلى صعيد آخر، فهناك نقابات انتخب أعضاؤها لتسيير مصالح جمعية الأعمال الاجتماعية لموظفي الوزارة. وهذا مجال آخر للامتيازات، وإذا علمنا أن السلطات الإدارية للوزارة (مركزيا وجهويا) يمكنها بوسيلة دعما المالي والعيني لهذه الجمعية أن تقوم بالضغط غير المباشر عليها (بالافتحاص والمحاسبة) فمن أين ستأتي النقابات بقوة الضغط بعد ذلك؟.

وخلاصة القول أن الأمر كله يتعلق بسوق فعلية: الممارسات فيها كثيرة ومختلفة مابين السلع الفاسدة والمغالاة في الأثمان وخيانة الأمانة والتدليس والغش. وإذا أردت البحث عن الكفاءة والإخلاص فهما من الندرة بحيث يجب عليك استخدام الميكروسكوب مع توفرك على عين سليمة ترى جيدا.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ