الوثيقة التي ينشرها اليوم موقعنا جدير أن تدرس في الجامعات المغربية، وأن تتناولها الدراسات بمزيد من البحث والتفصيل.
والحالة هذه أن الأمر يتعلق باختلاس بملايين الدراهم للأموال العمومية من طرف موظف يشتغل بإدارة الضرائب بالقنيطرة .
وبعيدا عن حيثيات الفعل والاختلاس،فقد التجأ وزير المالية عبد القادر بن سليمان في حكومة أحمد عصمان ،برسالة إلى فقيه وعالم كبيرينتمي إلى دوار بلة في منطقة الرحامنة،قرب العطاوية،علما أنها هي نفس المنطقة التي ينتمي إلها جد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة.
وقد وقعت الرسالة بتاريخ 27 شتنبر 1976 الموافق لـ شوال 1396 لكن لم يشر إلى التاريخ الميلادي في أعلاها احتراما وتقديرا للفقيه الديني الذي وجهت له،وسجلت تحت رقم 3168 بديوان الوزير.
وجاء موضوع الرسالة هكذا”طلب فتوى فقهية”
وسجل عنوان المرسل إليه هكذا:إلى جناب الاستاذ الفاضل العلامة السيد الحسن الزهراني،15 تجزئة بوكار،الحي المحمدي،مدينة مراكش .
وقال الوزير في مستهل الرسالة:
“لقد تعرضت إدارة التسجيل والتمبر بمدينة القنيطرة لاختلاس أموال عمومية من طرف الموظف الذي كان مشرفا على تسييرها،وقد أحيل المتهم على العدالة وأدين بالتهمة المنسوبة إليه وخمسة عشر سجنا.
و لما كانت المبالغ المختلسة تقدر بملايين الدراهم فإن الإدارة تقوم بالإجراءات اللازمة لاسترجاع المبلغ لفائدة الخزينة العامة،غير أنه تبين …..أن الجاني كان يستثمر المال المختلس في شراء عقارات باسم زوجته التي يظهر أنها كانت لا تملك شيئا قبل زواجها منه،..كما أن تواريخ اقتناء الأملاك توافق تواريخ الاختلاسات …..”.
ويطرح الوزير في هذه الرسالة الهامة المشكل العويص الذيي اعترض الخزينة في مقاضاة الزوجة، قصد استرجاع الأموال المختلسة،علاقة بالمبدإ الشرعي القاضي بانفصال أموال الزوجين.
وأفاد الوزير في مراسلته “إن هذه القاعدة الفقهية في الشريعة الإسلامية قد لا تكون مطلقة نظرا لتعارضها مع مقصد آخر شرعي،ألا وهو رعاية المصالح العامة،ولا شك أن حماية المال العام تعد من صميم الصالح العام”.
وفي الاخير ذيل الوزير رسالته بالطلب المقصود:”لذا أطلب منكم الإدلاء برأيكم حول مسألة نظام انفصال أموال الزوجين في الفقه الإسلامي،…ومدى علاقته بضرورة حماية المال العمومي،..لإبراز المرتكز الفقهي لمسألة الزوجة بالتضامن مع زوجها عن رد ما اختلس من الأموال على حساب الخزينة العامة،مادامت القرائن كلها تدل على أن الزوجة هي التي استفادت من المال المختلس”.
أما الفقيه العلامة الرحماني فكان جوابه اختصارا هو : “الواجب يقضي أن يحرم مما كان يبتغيه من عمله، فتباع الأملاك، وتستخلص أموال الأمة، إذ لم تبق المسألة هنا، مسألة استقلال مالية الزوجين، بل دخلت في باب الخيانة من هذا المتهم أو منه ومن زوجته إن وافقته على ذلك”.
وأضاف العالم الرحماني: “يجب أن يطبق عليه القانون الترهيبي بقسميه الأدبي والقانوني، أما الأدبي فإنه قد طبق عليه وسجن حسب ما ورد في السؤال. وما بقي الآن سوى أن يطبق عليه المؤبد المدني، وذلك بأن يحرم هو ومن شاركه من ثمرة عمله المخالف للقانون ليرتدع هو وأمثاله، وإلا انفتح على الأمة باب من الخيانة والتحايل يعسر سده”.
وقد ختم العلامة فتواه، بالتعبير عن أمله في: “أن يحيي المشرع المغربي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وسنة خليفته الثاني عمر بن الخطاب، ويصدر قانون الكسب غير المشروع، وما يتفرع عليه من تشريعات ليريح الأمة ممن لا ضمير لهم يردعهم”.