أصبح الفصل 47 من الدستور الجديد ماردا و “بعبعا” يخيف أعضاء الحكومة، وفي حكومة بنكيران الثانية خرج هذا الفصل من قمقمه ومارس سلطته عاليا في هندسة هيكلتها.

ويبدو أن جلالة الملك محمد السادس أراد تفعيل بعض فصول الدستور المغربي بشكل واضح وبين ولا تسامح فيه، وبالتالي سمح بتحريك هذا الفصل كي لا يبقى جامدا، وبتطبيق كل الأوجه والقراءات المتاحة في كل فقراته.

فالملك دستر الحكومة بشكل غير مسبوق، وعين رئيسها وفق ما يمليه الدستور، ورغم أزمة خروج شباط منها فالملك لم يتراجع عن مطالبة رئيس الحكومة في الاستمرار في مهامه وفق ما يميله الدستور، والبحث عن كل المخارج والتحالفات الممكنة لإنجاح حكومته، وكذلك كان.

كما أن الملك لم يتراجع عن تحريك سلطة الإقالة، وقبول الاستقالة من الوزراء وفق ما يمليه هذا الفصل، بما في ذلك قبول إعفاء الوزير الأول لبعض أعضاء حكومته.

وقد استوعب المغاربة جيدا دخول الملك المفاجئ في أزمة وزير الشباب والرياضة محمد اوزين، ولولاه لفضل رئيس الحكومة استقرار حكومته ضمانا لاستمرارها وعدم زحزحة أركانها، وبالتالي كان المغرب سيضيع فرصة تفعيل هذا الفصل من الدستور.

كما أن رفض الملك تشريف اليوم الوطني للمجتمع المدني بالرئاسة الفعلية كما عهدنا ذلك، أعطى إشارات قوية للجميع ان الحبيب الشوباني ارتكب أخطاء لا يعرفها إلا الملك وأجهزة الدولة بتقاريرها.

أمر يدفعنا في إعادة النظر في كون الإعلام وسلطة الصحافة هي من لعبت الدور الأهم في الدفع بالوزيرين الشوباني وابن خلدون للخروج من النسخة الحالية للحكومة، فلولا الغضبة الملكية التي سارعت الصحافة لقراءة خلفياتها وأبعادها ودلالاتها،لما تبين الخيط الأبيض من الأسود في قصة علاقة الشوباني بسمية بن خلدون.

ولقد كاد الشوباني وابن خلدون أن  ينجوا بنفسيهما لولا أن زوج سمية بن خلدون السابق أخرج الجني من قمقمه بقولته المثيرة:”الشوباني ذبحني من الوريد إلى الوريد”، وهي قولة حركت الأحاسيس والمشاعر وعزفت على أوثار الذاكرة الإعلامية بقصة “عمر قتلني” الشهيرة التي ذهب ضحيتها المغربي عمر الرداد بزجه في السجن، بالرغم من اختلاف الفعل.

وهاهو رئيس الحكومة يسترجع أنفاسه في المجلس الحكومي ليوم أمس ويعتبر الرجة التي عرفتها حكومته رحمة وتخفيف من الله، مشيرا ان أسلوب الاستقالة شئ عصري، وهو خطاب ذو أبعاد دينية وفلسفية وقانونية يؤكد من جهة أن رئيس الحكومة تأثر نفسيا من هذه الأزمة، ومن جهة ثانية انه يريد لعجلة العمل الحكومي ان تستمر في “تحقيق التنمية المنشودة لبلادنا والعمل على إنجاز الإصلاحات المطلوبة”.

وقد استهل رئيس الحكومة كلمته القصيرة أثناء افتتاح المجلس الحكومي بالحديث عن الأبعاد العصرية لاستقالة الوزراء المعنيين، ولم يتحدث عن إقالة الكروج بل تفاداها احتراما ربما للمشاعر ، وهذا الوصف العصري للاستقالة تأكيد لحداثة الدستور الجديد وعصرية نصوصه.

ثم تحدث بنكيران عن البعد الديني احتراما لمرجعية حزبه  فقال إن في الاستقالة “تخفيف ورحمة من الله عز وجل لمن غادر الحكومة”.

وأخيرا طرح البعد الفلسفي للأمر مؤكدا أن مغادرة الوزراء المعفيين ليس نهاية الحياة، بل أن الإنسان مؤهل إلى أن يخدم بلده ووطنه من أي موقع وفي أي مكان وفي أي زمان.