ماذا جرى، مريم النفزاوية

لقن الوزير البرتغالي في الثقافة، جاو سواريس، درسا لكل الوزراء المتشبتين بكراسيهم عبر العالم، و لكن خاصة في عالمنا الثالث هذا، ففي لحظة غضب أو نشوة كأس من “الفودكا”، كتب في مدونته رسالة صغيرة وجهها إلى صحفيين سبق لهما أن انتقداه بشدة، و من يقرأ هذه الرسالة يستغرب أيما استغراب، فهي لم تتضمن قذفا مباشرا و لا شتما موجها، و لكنها تتضمن أمنية، هي عبارة عن رد فعل غاضب من الصحفيين.

قال سواريس في تدوينته: ” إلى أولئك الصحفيين اللذين تطاولا على شخصي … تمنيت لو صفعتكما” انتهى كلام سواريس.

و مع أن مثل هذه الكتابات لو رفعت إلى القضاء لحكم بالبراءة بشكل مستعجل، مادام الأمر يتعلق بأمنية و ليس بفعل، لكن القيامة قامت في البرتغال و لم تقعد إلى أن اعتذر سواريس بكلام هادئ في صفحته أولا، ثم في لقاء صحفي ثانيا، ثم داخل المجلس الحكومي ثالثا، و كان الاعتذار هكذا: ” لقد كنت في لحظة غضب، و لا يجدر بي أن أكتب كلاما كالذي كتبته، خاصة أنني وزير، و شخص عمومي، و يجب أن أتلقى كل الانتقادات بصدر رحب، و يجب أن اتحكم في ردود أفعالي سواء كانت مكتوبة أو مصرحا بها، و عليه فإنني أعتذر للصحفيين المعنيين أولا، و أعتذر لكل من يشتغل في الصحافة و الإعلام ثانيا، و أعتذر لزملائي في الحكومة واحدا واحدا، و أخيرا، و جزاءا لفعلي، فإنني أقدم استقالتي من الحكومة”.

و رغم أن سواريس عرف بأخلاقه الجيدة و أدائه المتميز في الحكومة، و رغم أنه ينحدر من أسرة ماريو سواريس رئيس الحكومة الأسبق، فإن أحدا لم يتوسط لصالحه، أو يضغط لفائدته، أو يطالبه بالعدول عن قراره، بل سارع رئيس الحكومة إلى قبول الاستقالة و التنويه بالوزير، و طويت الصفحة.

ها أنت عزيزي القارئ قد عشت معي لحظة من الأحلام الوردية التي تتمنى أن تقع في بلادك، فالعالم كله نقل الخبر، و حكومة البرتغال استفادت من الحدث، كما استفاد منه المواطن البرتغالي.

في بلادي لا يمكن للوزير أن يستقيل و لو على فراش الموت، و في بلادي هاهم أعضاء الحكومة يتشاجرون و يتنازعون فيما بينهم أولا، ثم بينهم و بين رئيسهم عبد الإله بنكيران، ثم بينهم و بين الصحفيين، و الأساتذة المتدربين، و المتقاعدين، و المواطنين، حتى أصبحنا نسمع ألفاظ الجنس و الجماع في تراشق هو أبعد ما يكون عن الجد و العمل.

في هذا الأسبوع فقط، استقال وزير اسلاندي بسبب وثائق “بنما”، و استقال وزير برتغالي بسبب أمنية، فماذا لم طبقنا نسمة من عبق هؤلاء الوزراء في حكومتنا؟ أنذاك، إما أن تتحول حكومتنا إلى المدينة الفاضلة أو يستقيل وزراءها واحدا تلو الآخر في ظرف أسبوع واحد … وزراءنا مستعدون للاستقالة لكن في “المشمش” أو بالأحرى كما يقول الفرنسيون “mon oeil”!. و لكم الكلمة…