samyبقلم : سامي الفرج

لا شك أن إحصائيات التقارير الدولية و حتى المحلية حول مجتمعاتنا تصيبنا بنوع من الذهول ، و تسائل أكبر المتفائلين حول ثقافتنا، و تبعث أعتى المدافعين عنها على الوقوف لبرهة و توليد أسئلة جديدة في محاولة أخرى لفهم أسباب تعثرنا الدائم على سبيل المجد الإنساني.

و لعل أهم الأسئلة التي تتكرر من طنجة إلى عمان هي: لماذا لا نقرأ ؟

قبل أن نطرح هذا السؤال، يجب علينا الانتباه أن هذا السؤال مصاغ بطريقة سلبية. لا ضير أن نعيد صياغته ليصير على الشكل الآتي :

لماذا نقرأ ؟

سؤال تبدو إجابته بديهية، بيد أنها ليست كذلك في معظم الأحايين. لنقل مبدئيا أن الإجابة في معناها الأولي هي أننا نقرأ لفهم العالم بشكل أفضل. إذن، سنجيب عن السؤال الأول بأننا لا نقرأ لأننا لا نريد أن نفهم العالم بشكل أفضل.

لم نسمع يوما إنسان يقول بهكذا قول، إذ من غير المعقول أن لا يريد الإنسان فهم ما يحيط به.

لكن لنغص، أيها القارئ الفطن، قليلا في أغوار هذا الجواب و لنبحث، لعلنا نجد ما يشفي غليلنا.

إذا كان الإنسان لا يقرأ فليس لأنه لا يريد أن يفهم العالم بشكل أفضل. إنه يريد ذلك، لكنه يقول لنفسه، على مستوى لا واع ربما، أنه يستطيع فهم العالم انطلاقا من تجربته الذاتية فقط، و من هنا لا حاجة له بتجارب أخرى. و حتى إن كان يريد الاطلاع على تجارب أخرى، فإنه يمكن أن يشاهد فيلما أو وثائقيا مصورا، إذ أن القراءة تستدعي منه إعمال الخيال لتصوير ما يقرأه مشاهدا، و هذا العمل، بالنسبة له، يقوم به مخرج أفلام بشكل أحسن و إن كان موهوبا ، يستطيع أن يدخله في تجربة حسية أغنى من قراءة كتاب. إذن، ما تبرير القراءة إن لم تك بغرض معرفة ثمن فاتورة، أو الاطلاع على عرض عمل على الأنترنت، و معاينة الإيمايلات و ما استجد من أخبار سريعة على صفحات التواصل الاجتماعي ؟

يبدو أن محاولة اختزال قراءة الكتب إلى مجرد عادة، كشرب القهوة مثلا، يألفها من ألفها و يستطيع الاستغناء عنها من يستطيع، دائما ما تبوئ بالفشل. حتى و إن اعتقد صديقنا أن مشاهدة فيلم أفضل من مطالعة كتاب، فإنه لا يستطيع أن ينفي أن مخرج هذا الفيلم ما كان لينجح في إدخال المتفرج تجربة حسية فريدة لولا أنه شحذ خياله عن طريق قراءة العشرات و العشرات من الكتب. فإذا كان قد تعلم تقنيات الكاميرا من مشاهدة الأفلام، فإنه تعلم فن القص من القراءة، و بالتالي فإنه استفاد من تجارب كتاب و قصاصين و شعراء و روائيين و غيرهم ممن دبجوا بيراعتهم أجمل النصوص.

إذن، يمكننا القول دون تردد، أننا نقرأ لأننا نريد أن نطلع على تجارب الآخرين و لا نستغني بتجاربنا فنكون ممن قال فيهم الله تعالى : “كلا إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى.” فنطغى في مواقفنا من الحياة و الأحياء، و نستبد في آرائنا دونما اعتبار لآراء الآخرين و تجاربهم، و العجيب أن هذه الآيات جاءت بعد تبيانه تعالى لفضله على الناس أن علّّمهم القراءة و الكتابة، إذ قال عز من قائل في سورة العلق : “اقرأ و ربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم” و كأنه يقول لنا أن من لا يقرأ يرى نفسه مستغنيا، و بالتالي يطغى في مسالكه و معاملاته مع الناس حوله، بل مع عناصر بيئته برمتها من نبات و حيوان، إذ لا يعلم لهم حرمة و لا يعلي لهم من شأن، لأن لا معلومات متوفرة لديه حول واجب احترام قدسية الحياة.

و أراني أختم الآن، بما وجدت نفسي أكتب ذات يوم، فأقول :

إنما القرا ءة تُلحقك بالطيور أسرابا..
كلما ارتفعت بك إلا و مسحت وراءها ضبابا و تركت مكانه جوابا.