أصبح التعامل مع إشكالية الهجرة السرية نحو دول أوربا يتخذ أبعادا يمكن وصفها بالغير مأمونة والمحفوفة بالمخاطر. ذلك أن دول أوربا الغربية تحاول حشد المساعي والتوافقات لاستخدام القوة ضد مهربي البشر. وفي هذا الصدد،  بحث وزراء دفاع خمس دول في الاتحاد الأوروبي؛ هي فرنسا وألمانيا وبولندا وإيطاليا وإسبانيا، أمس الأحد إمكانية اعتماد أي عمل عسكري في مواجهة تهريب المهاجرين غير الشرعيين عبر المتوسط، وكيفية تعزيز الدفاع الأوروبي المشترك. وينظر إلى هذا الاجتماع الخماسي على أنه عمل تنسيقي قبيل انعقاد اجتماع مجلس وزراء دفاع دول الاتحاد الأوروبي في 18 مايو الجاري.

وكان قادة ورؤساء حكومات دول الاتحاد الأوروبي قد قرروا في اجتماع طاريء في 24 أبريل طلب موافقة الأمم المتحدة على القيام بعمليات عسكرية ضد مهربي المهاجرين السريين في ليبيا. وفي إطار سعي هذه الدول إلى استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي تحت البند السابع الذي يجيز استخدام القوة العسكرية، فمن المقرر أن تقدم وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني ملامح هذه العمليات في اجتماع لمجلس الأمن هذا اليوم الاثنين. ويصطدم سعي الاتحاد الأوروبي الذي ينوي اعتراض المراكب التي يستخدمها مهربون ويحملونها بالمهاجرين، بحاجزين ؛ الأول قانوني، حيث أن القانون الدولي يمنع دخول المياه الإقليمية للدول دون ترخيص، ويمنع توقيف سفينة ترفع علماً دون إذن دولي. والثاني سياسي، متمثل في الرفض الروسي. لكن أخبارا غير رسمية تتحدث عن إمكانية تنازل روسيا عن موقفها في مقابل تنازلات أوربية وأمريكية في ملف أوكرانيا الذي سمم العلاقات بين الجانبين. وعلى أية حال، وسواء أصدر القرار أم لا، فبإمكان الأوروبيين التحرك للتصدي للسفن التي لا ترفع علم أي دولة. هكذا إذن أصبح بالإمكان أن تصل إلينا، في المستقبل القريب، أخبار تتحدث عن إغراق مركبة بحرية هنا وهناك، تعود ملكيتها لأحد مهربي البشر. وليس مستبعدا كذلك، أن تكون هناك ضحايا من المهاجرين السريين بفعل تعرض مركبتهم لنيران من سلاح دول الاتحاد الأوربي، التي قد تبرر بالخطإ في تحديد الهدف رغم التكنلوجيا الحديثة والمعقدة التي يمتلكها حلف شمال الأطلسي. وهذا ليس مجرد احتمالات غير مبنية على أسس، فالتكنلوجيا الأمريكية المتفوقة لم تمنع إصابة مدنيين عزل وقتل وجرح العديد منهم في مناطق مختلفة بالعراق. وإذا أضفنا إلى ذلك أن مهربي البشر لهم من الحيلة ما يجعلهم كالزئبق؛ صعب تحديد مواقعهم وهوياتهم، فسيصبح المغامرون الأفارقة الحالمون بحياة أفضل في أوربا في مواجهة مصائر رهيبة؛ تنطلق من تركهم وحيدين في مواجهة البحر بعد ركوبهم وتواري المهربين عن الأنظار، وخطر غرق مركباتهم التي عادة ما تكون بدائية وصغيرة وغير صامدة أما أعاصير البحر، وأخيرا وليس آخرا كونهم عرضة لقصف سلاح الاتحاد الأوربي؛ إما عن طريق الخطإ كما أسلفنا، أو بتعمد ذلك وفق مقولة: كم حاجة قضيناها بمسح مصدرها.

لقد كان على دول الاتحاد الأوربي أن تنهج أسلوبا آخر يمكن من معالجة قضية الهجرة من جذورها. ذلك أن أوربا تعاملت مع دول جنوب المتوسط وإفريقيا بنوع من النفاق السياسي. ففي الوقت الذي تبتلع خيراتها، لم تقم بواجب تنميتها ومساعدتها على توفير ظروف العيش الكريم لأبنائها، والأدهى، أنها ساندت وما تزال الطغمات الحاكمة بيد من حديد والكاتمة على نفوس الشعوب، فأصبح كثير من مواطنيها يفعل المستحيل لمغادرة بلدانهم ولو كان الموت يحتل أربع احتمالات من خمسة قبل الوصول إلى مناطق مهجورة في الساحل الأوربي حيث تبدأ معركة أخرى من أجل البقاء.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ