عبد العزيز الرماني

حاشا لله أن لا أصلي ما تبقى من العمر,, لكن الشاعر قالها وهو في غمرة الاستفزاز والغضب..قالها بكل قوة، فلا فقئت عيناه ولا قطع رأسه، ولا ادخل إلى قفص كي يحرق متهما بالزندقة والكفر..

مناسبة الكلام هو الصراع اللفظي والجدل القائم بين الجمعويين والحقوقيين من جهة، وبين ووزير العدل والحريات  العامة مصطفى الرميد من جهة أخرى، حول مسودة القانون الجنائي وما تتضمنه من عقوبات حول بعض الممارسات، ومنها إفطار شهر رمضان الكريم.

في الزمن الماضي، قرأت كثيرا عن أولئك الذين غضبوا من الإمام الحاكم، وعاتبوه او زجروه أحيانا. وقرأت أيضا عن أولئك الذين غضبوا من الله بجلاله في عليائه، وكيف تعامل الحكام معهم إثر عصيانهم أو غضبهم.

ووجدت أن التاريخ العربي أرحم من الحاضر العربي، أقصد أن التاريخ الإسلامي أرحم من الحاضر الإسلامي، من بوابة الاجتهاد والفتوى والتسامح.

في التاريخ القديم،هناك من زج بهم الحكام في السجن متهمين إياهم بالزندقة والكفر والردة، ولكن الحقائق تقول أن صراعهم مع الحكام ومساعديهم كان سياسيا وليس دينيا.

وهناك من سامحهم الحاكم او القاضي او شيخ العشيرة، حتى وإن قسوا على الدين وأصوله، وعلى الله خالقهم، في سمائه.

والشاعر المتنبي، قيل لنا أنه ادعى النبوة، ولقب بادعائه. وحين تفحصنا التاريخ والوثائق، تبين لنا أن فصاحة المتنبي، وكاريزميته، وقوة شخصيته جنت عليه قبل أي أن يجني عليه اتهامه بالزندقة.وسأعود لا حقا إلى ما سبق أن كتبته حول هذا الموضوع في عمودي الأسبوعي بيومية “الميثاق الوطني” سنة 1987.

والشاعر بشار بن برد؛ كان من الخطباء البلغاء والفصحاء، شأنه في ذلك شأن المتنبي، فوشى به بعض من يبغضه إلى الخليفة المهدي، ورماه بالزندقة فقتله المهدي بعد تعذيبه. والحقيقة التي كشفتها وثائق التاريخ، أن الشاعر هجا وزيرا مقربا من الخليفة، فكاد له، ووشى به، متهما إياه بالزندقة.

أما الشاعر الذي اتخذنا من بيته عنوانا لمقالنا،فقد وجدته في كتاب “المستطرف من كل فن مستظرف”. وفيه يروي الأصمعي أنه حين ضلت إبله فخرج في طلبها، وكان البرد شديدا، التجأ إلى حي من أحياء العرب وإذا بجماعة يصلون، وبقربهم شيخ ملتف بكساء، وهو يرتعد من البرد الشديد ويردد:

أيا رب إن البرد أصبح كالحا
وأنت بحالي يا إلهي أعلم
فإن كان يوما إلى جهنم مدخلي
ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم

فاقترب منه الأصمعي ونهره بصوت عالي: “يا شيخ أما تستحي من الله؛ تقطع الصلاة وأنت شيخ كبير؛ وتبتعد من المصلين، وتدعو الله بأن يدخلك جهنم”.

فأجابه الشيخ : “وهل دعوت غيره؟ أليس هو ربي وهو أعلم بحالي؟فكيف يكسو غيري، وينتظر مني أن أصلي عابدا؟ ثم أنشد يقول:

أيطمع ربي في أن أصلي عاريا
ويكسو غيري كسوة البرد والحر
فوالله لا صليت ما عشت عاريا
عشاء ولا وقت المغيب ولا الوتر
ولا الصبح إلا يوم شمس دفيئة
وإن غممت فالويل للظهر والعصر
وإن يكسني ربي قميصا وجبة
أصلي له مهما أعيش من العمر
قال فأعجبني شعره وفصاحته، فنزعت قميصا وجبة كانا علي ودفعتهما إليه، وقلت له: “البسهما، وقم فاستقبل القبلة، وصلي لربك مستغفرا،فهو بعباده رحيم”،فصلى جالسا وبعدها بدأ يردد شعرا جميلا:

إليك اعتذاري من صلاتي جالسا
على غير ظهر موميا نحو قبلتي
فمالي ببرد الماء يارب طاقة
ورجلاي لا تقوى على ثني ركبتي
ولكنني استغفر الله شاتيا
وأقضيكها يارب في وجه صيفتي
وإن أنا لم أفعل فأنت محكم
بما شئت من صفعي ومن نتف لحيتي

سبحان الله،أهذا هو تاريخ العرب والمسلمين؟ فيه من التسامح والوسطية والاعتدال، ما يلهيك عن تاريخه في التطرف والتعصب والابتذال.

دعني عزيز القارئ، بعفوك وتسامحك، أتابع معك ما تبقى من الطريق..قريبا إن شاء الله في الجزء الثاني.