ماذا جرى، سياسة

رضا الهمادي
رئيس المرصد المغربي للسياسات العمومية

تواترت الأحداث بخصوص قضية الصحراء المغربية و تسارعت بشكل كبير خلال الأيام القليلة الماضية. و بلغت الأمور ذروتها في بلاغ وزارة الخارجية ليوم أمس و الذي شكل تصعيدا خطيرا غير مسبوق. حيث أعلن فيه المغرب عن اتخاذه لتدابير فورية أهمها تقليص عدد العاملين المدنيين في بعثة المينورسو بالصحراء و إنهاء دعم المغرب المالي للبعثة ، ثم البدء في سحب القوات المغربية المشاركة في عمليات حفظ السلام في مناطق النزاع بالعالم.

قد تبدو هذه التدابير غير كافية لوصف حجم التوتر بين المغرب و الأمم المتحدة خصوصا إذا علمنا أن عدد المدنيين بالمينورسو بالصحراء لا يتجاوز 258 شخص أغلبهم من المرافقين و المترجمين، ثم إذا علمنا كذلك أن الدعم المالي المغربي للمنظمة لا يتجاوز مليوني دولار سنويا (تبلغ ميزانيتها السنوية 53 مليون دولار) بالإضافة إلى بعض التفضيلات في أثمان الماء و الكهرباء و مقر البعثة الأممية. لكن الحقيقة أن هذه الإجراء ات في مجملها ذات أثر سياسي كبير بالمقارنة مع أثرها المادي و اللوجستيكي المحدود، و هو ما يعني أن المغرب و هذه المنظمة الدولية دخلا نفقا طويلا من عدم التوافق و اختلاف وجهات النظر قد يدوم لشهور و ربما لأعوام.

العديد من المتتبعين استرسلوا في تعليقاتهم الأولية حول تقييمهم لهذا القرار القوي لخارجيتنا و الذي جاء مباشرة بعد لقاء صلاح الدين مزوار ببان كي مون، هذا اللقاء الذي عرف توترا كبيرا خصوصا بعد تشبث بان كي مون بموقفه و تصريحه الخطير الذي وصف فيه المغرب ببلد احتلال، ثم كذلك تذمر بان كي مون من موجة السخط الشعبي و الرسمي العارم الذي عرفتها مسيرة الرباط و التي كلفته سيلا من الشتائم و السباب. لكن حتى نفهم دواعي هذا المنزلق الخطير لأمين عام منظمة يفترض فيها الحياد التام في كل ملفات النزاعات الدولية، يجب أن نعرف أن بان كي مون لم ينطق عن هوى، و يجب أن نتساءل عن الجهة التي أعطت الضوء الأخضر لبان كي مون حتى يستعمل توصيف “احتلال”. لو كان الأمر مجرد منزلق لتراجع الأمين العام الأممي عن تصريحه بعد تدخل القوى العظمى و لطوي الملف، لكن أن يصر على تصريحه فالأمر يعني أن هناك جهة ما لها يد طولى قد أعطته الضوء الأخضر. و هذا يعني أن هناك تحولا و تزحزحا في مواقف الدول العظمى بخصوص هذا الملف. و هو ما ظهر جليا في أبريل 2014 حين تضمنت النسخة الأولى لتقرير بان كيمون توصية بتوسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، و توصية أخرى بإنهاء المفاوضات و الاتفاق على حل نهائي في أجل أقصاه أبريل 2015. هذه التوصيات التي تمكن المغرب من إسقاطها بفضل الدعم الروسي. جاءت بعدها أزمة القرم و أوكرانيا و التي فضل فيها المغرب عدم إعلان موقفه بشكل واضح و عدم الاصطفاف مع حلفاءه الغربيين بخصوص العقوبات التي فرضوها على روسيا و هو ما كلفه مزيدا من المتاعب مع حلفاءه و شركائه التاريخيين بالاتحاد الأوروبي الذين لم يتخذوا مواقف صارمة بخصوص قرار المحكمة الأوروبية بخصوص الصادرات المغربية من الصحراء المغربية. لم تكن هذه التطورات بمعزل عن التقارب الأطلسي لواشنطن و الاتحاد الأوروبي مع الجزائر بخصوص العمليات الأمنية بدول الساحل و الصحراء و هو الذي جعل الملك محمد السادس يغيب عن الدورة 69 للجمعية العامة للأمم المتحدة و التي تلى فيها بنكيران خطابا ملكيا قويا انتقد النموذج الغربي بشكل كبير.

كل هذه الأحداث مجتمعة تمكننا من فهم دواعي محاولة المغرب استصدار دعم روسي قوي له في ملف الصحراء، و هو ما فشل فيه لحد الساعة كون الأخبار القادمة من موسكو لا توحي بتوجه روسي لدعم الرباط في محنتها مع الأمم المتحدة. فرغم محاولة الإعلام المحلي إيهامنا بوجود اتفاق روسي مغربي يدعمنا بمقتضاه بوتين في الصحراء مقابل دعمنا له في سوريا، إلا أن الحقيقة تبقى مجانبة لهذا الطرح، فالبلاغ الروسي قال بالحرف أن موسكو تأخذ بعين الاعتبار كما يجب موقف المغرب في تسوية نزاع الصحراء، متمثلا في مقترح الحكم الذاتي الموسع تحت السيادة المغربية. “تأخذ بعين الاعتبار” و ليس “تدعم”. كما أكد البيان أن موسكو لا تؤيد أي خروج على المعايير المحددة سلفا ضمن القرارات الحالية لمجلس الأمن الدولي. كما عبرّت روسيا بهذا الخصوص عن “دعمها لجهود مجلس الأمن والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة من أجل التوصل إلى حل سياسي مقبول من الأطراف لقضية الصحراء” . هذا يعني أنه ليس هناك مستجد في الموقف الروسي. بالمقابل قدم المغرب هدية ثمينة بدعمه للتدخل الروسي في سوريا و هو ما قد يجلب عليه غضب حلفاءه الخليجيين الذي يبقى بأمسّ الحاجة إلى دعمهم في هذه الظروف.

لا يمكن التعويل على الدعم الروسي بدعم تدخل عسكري شارف على نهايته في سوريا، و لكن بمنح موسكو حصة من الاستثمارات الكبرى في مجالات الطاقة و التنقيب عن البترول و الفوسفاط و السياحة و لم لا صفقات شراء الأسلحة، ثم برفع الصادرات المغربية (وخصوصا الفلاحية منها) أكثر نحو موسكو. للإشارة فقد عرفت مجموعة من الاستثمارات الروسية الكبرى تعثرات كبيرة بالمغرب، يبقى أبرزها استثمار سياحي كبير بتطوان قدر حينها (سنة 2007) بأكثر من 100 مليون أورو، لكن لم يكتب له النجاح و انتهى في ردهات المحاكم الدولية.

ما نحاول شرحه في هذه السطور هو أن العلاقات الديبلوماسية ليست سهلة و بسيطة إلى الحد الذي يمكن فيه تغيير المواقف و الحلفاء بين ليلة و ضحاها. و أن المغرب سقط في تجاذب ديبلوماسي بين مختلف الأطراف و هو نتيجة لعدم إحكامه سياسة تنويع الشركاء الاستراتيجيين التي انخرط فيها في الثلاث سنوات الأخيرة كونه أصبح بين نار الحلفاء الذين لم يتفهموا هذه السياسة الجديدة و لم ينظروا بعين الرضا لهذه السياسة التي تقيه وضع بيضه في سلة واحدة.

في الأخير تجدر الإشارة إلى أن كل هذه المطبات التي تعيشها قضيتنا الوطنية الأولى هي نتيجة لقصور كبير في أدائنا الديبلوماسي، فديبلوماسيتنا الرسمية أغفلت كل أداء استباقي و اقتصرت في مجملها على إنتاج ردود أفعال كلما استجد أمر جديد في ملف الصحراء.

و حتى ديبلوماسيتنا الموازية و الشعبية بلغت مستوى غير مسبوق من الرداءة و الابتذال مما يضر بقضيتنا الوطنية في بعض الأحيان. و خير مثال على ذلك الإهانات المتتالية الشخصية لبان كيمون و الكمية الهائلة من السباب الرسمي من برلمانيينا (الدانكيمون و البوكيمون و المانكيمون) و اللذان دفعا الامم المتحدة إلى إصدار بيان غير مسبوق هو أقرب في لهجته إلى التوبيخ الديبلوماسي. هذا القصور الديبلوماسي الرسمي و الموازي يعكس بشكل جلي ضعف و تهلهل النخب التي تقف وراء إنتاج هذا العمل الديبلوماسي مما يدفعنا للتساؤل: هل هذه هي النخب التي سنعول عليها لتشرح قضيتنا الوطنية الأولى للعالم؟ هل هذه هي النخب التي سنعول عليها لتحاجج مرتزقة الجمهورية الوهمية في المحافل الدولية؟ هل بالبوكيمون و الدونكيمون و المونكيمون سنقنع الأمم المتحدة و قادة المنتظم الدولي بخطأهم في حقنا؟
فعلا الدولة محتاجة لتجميع المواطنين و حشدهم للدفاع عن قضيتهم الوطنية و المصيرية الأولى. لكن هذا “التجييش الغبي” يضر بها أكثر مما ينفعها و ما التصعيد المجاني الذي أخذته الأحداث إلا نتيجة لهذه المنزلقات التي جعلتنا نتهم كلا من هيومن رايتس ووتش و منظمة العفو الدولية و مراسلين بلا حدود، و فرونت لاين، ثم الفيدرالية الدولية لحقوق الانسان و الاتحاد الافريقي ثم الاتحاد الاوروبي و كريستورف روس و الأمم المتحدة و أمينها العام بالانحياز لأعداء وحدتنا الترابية. و كأن العالم كله مخطئ إلا ديبلوماسيتنا الوحيدة التي على صواب.

المهم، الصورة غير واضحة المعالم و الأوراق جد مشتبكة، وحدها الساعات أو الأيام القليلة المقبلة كفيلة بكشف المستور.