عبد الرحيم الفارسي

تعلقت عيوننا بشاشة التلفزة التي كانت تنقل مباشرة من مراكش وقائع إبرام اتفاقية اتحاد المغرب العربي.
التاريخ: 17 فبراير 1989…
تركت للحلم حرية التحليق بي بعيدا. رأيتني أنزل فورا من الحي الجامعي إلى المعبر الحدودي الفاصل بين وجدة المغربية و(للا مغنية) الجزائرية. نحن في المغرب نسميه معبر (زوج بغال) ، والجزائريون يسمونه (العقيد لطفي).
شاهدتني أسير على خطى جدي لوالدي حين كان في شبابه يعمل في الجزائر المستعمَرة، ولا يعود إلا لفترات قصيرة لزيارة زوجته وأطفالهما الصغار في القرية المتشبثة بسفح أحد جبال الريف. ما أجمل شعورك وأنت تتفسح في وهران وتيبازة والبليدة وبجاية وقسنطينة وساقية سيدي يوسف… تسافر مع إحدى أغاني الفنان الشعبي الجزائري رباح درياسة. تتجول وسط مدن الغرب الجزائري، تنزل في وديان الوسط، تحط الرحال في واحات غرداية وبريان وجبال أهقار، ثم تعرج على سفوح جرجرة والقبائل وبلاد أمازيغ الشاوية..
واصلت الرحلة الحالمة الى تونس الجذابة. صفاقس، قفصة، الحوض المنجمي، نابل، القيروان وما أدراك ما القيروان، تطاوين، تونس الخضراء… يا إلهي كم هو جميل وطننا المغاربي. والأجمل منه أن نصل الرحم مع أهل لنا لم نلتق بهم منذ أن رحل المستعمر الفرنسي عن بلداننا تاركا خلفه حدودا سياسية عضضنا عليها النواجذ.
توقف خيط الحلم حين نبهني صديق لي إلى إصرار العقيد معمر القذافي على أن لا يوقع وثيقة معاهدة اتحاد المغرب العربي إلا بقلم مداده أخضر. ابتسم الملك الحسن الثاني وخاطب العقيد:”هل من الضروري أن يكون القلم أخضر؟”. لم يكن الزعيم الليبي ليتنازل عن هذا “المبدأ”، فكان له ما أراد.
كم كان جميلا أن أرى الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد يسير في مرابع مراكش الحمراء. لون شعره الفضي وابتسامته الهادئة تمنحانه جاذبية خاصة، تتناقض ومهنته كعسكري.
ينتهي حفل التوقيع. تتلاشى متعة اللحظة. ويمضي الوقت تاركا سخرية الأقدار تنفذ مفعولها…

التاريخ: 11 يناير 1992
قياديون في الجيش الجزائري يعلنون استقالة بن جديد من الرئاسة وينشئون (المجلس الأعلى للدولة)، الذي بدوره يعلن إلغاء الدور الثاني من الانتخابات التشريعية التي فازت فيها (الجبهة الاسلامية للانقاذ) بالاغلبية. تسقط الجزائر في دوامة عنف حصدت عشرات الألاف من الأرواح ما زالت آثارها بادية إلى اليوم. في السادس من أكتوبر عام 2012 يفارق بن جديد الحياة وفي قلبه غصة…

التاريخ: 23 يوليو 1999:
أشعة الشمس الحارقة تلفح وجهي بينما أنا أشق طريقي نحو مقر عملي بوكالة الأنباء المغربية في الرباط. وجوم غريب يخيم على قاعة التحرير. يغمزني أحد الصحفيين القدامى. صوت قارئ القرآن ينبعث من التلفاز القريب من مكتبي. يظهر أنني فهمت السر. يهز صاحبي رأسه. لقد مات الحسن الثاني.
كان صعبا علي تصديق ذلك. أعرف أن الملك الذي حكم البلاد لمدة 38 عاما كان يعاني من المرض. لقد شاهدته على بعد مترين قبل ذاك بأسبوعين فحسب. كان يغادر قاعة رسمية في قصره وسط الرباط رفقة الرئيس المصري محمد حسني مبارك. كان جسد الحسن الثاني نحيفا للغاية. نظرة خاطفة منه نحوي كانت كافية للتذكير بالذكاء المتقد لهذا الرجل. لكن جسده بدا ضامرا.
لقد مات الملك. ولم يتحقق بعد الحلم الذي لطالما راوده. في كتاب (ذاكرة ملك) يقول الحسن الثاني إن قصارى حلمه أن يرى في حياته المغرب العربي وقد أصبح حقيقة…
مات الحسن الثاني قبل 17 عاما، وما زال الحلم مؤجلا تحقيقه.

التاريخ: 3 أغسطس 2005
يجتمع في نواكشوط عدد من كبار قبادات الجيش والأمن، ثم يقررون منع الطائرة القادمة من العاصمة السعودية الرياض، من الهبوط في مطار العاصمة الموريتانية. كان على متن تلك الطائرة الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع. الرجل الأقوى في البلاد، وأحد القادة المغاربيين الخمسة الذين وقعوا معاهدة مراكش القاضية بإنشاء اتحاد المغرب العربي.
يا إلهي… موريتانيا البلد المترامي الأطراف لم يعد فيه مكان لولد الطايع. ربما قال في نفسه حين بلغه أمر منع الهبوط: يا ليتني لم أذهب إلى السعودية.
سافر ولد الطايع إلى الرياض لتقديم واجب العزاء في وفاة الملك فهد بن عبدالعزيز، أحد أكثر القادة العرب دعما لقيام الاتحاد المغاربي.
لن ينفع الندم والحسرة معاوية، فقد طويت صفحة حكمه في اللحظة التي سلم فيها على ضابط المراسيم أثناء مغادرته مطار عاصمة بلاده قبل أيام. انتهى حكم بدأ بانقلاب عسكري تزعمه في منتصف ديسمبر من عام 1984…
ولد الطايع يعيش منذ 11 عاما لاجئا في قطر.

التاريخ: 14 يناير 2011
الربان التونسي يشغل محركات الطائرة في مطار الملك عبدالعزيز بجدة. يستغرب الرئيس زين العابدين بن علي هذا التصرف الذي لم يأمر به. كان بن علي مازال واثقا من تطمينات الجنرال علي السرياطي، مدير الأمن الرئاسي الذي أكد له أن جدة لن تكون سوى محطة استراحة قصيرة قبل العودة “المظفرة” إلى قصر قرطاج.
حلق الربان التونسي فوق مياه ساحل البحر الأحمر تاركا الرئيس بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي ومجدا رئاسيا استمر لربع قرن.
لم يكن الجنرال السابق حين مرر القلم على وثيقة تأسيس اتحاد المغرب العربي يعلم أن سياسات نظامه ستطلق شرارة (الربيع العربي) الذي أتى على الأخضر واليابس.

التاريخ: 20 أكتوبر 2011
الشيخ المضرج بالدماء يتوسل لشباب يحيطون به أن تأخذهم به الرحمة والرأفة، أوليس هو بمثابة والدهم؟. لا أحد يبدو أنه يسمع توسلات هذا الأسير الذي يطلق عليه مناوئوه لقب (بوشفشوفة)، أي صاحب الشعر الطويل المتسخ.
غالبية المحيطين به تقل أعمارهم عن الثلاثين عاما. أما هو فقد ظل يحكم البلد لأكثر من أربعين عاما. كان خلالها القائد الأعظم، والأخ الأكبر، و”رسول” الصحراء، والثائر الأممي، وأمين القومية العربية، وملك ملوك إفريقيا.
يحاول أن يسوي وضع جلسته في ظهر سيارة مخصصة في الأصل لنقل البضائع والحيوانات، لكن أحد الشبان الملتصقين بجسمه العاري يمسكه من كفه وينهره.
آه ذاك الكف هو الذي وضع بين أصابعه عصر الجمعة 17 فبراير 1989 قلم حبره أخضر، ليوقع وثيقة اتحاد مغرب عربي يمتد من الدار البيضاء غربا، إلى مرابع قبيلة أولاد علي شرقا، ومن مغارة هرقل بطنجة شمالا، إلى الضفة اليمنى لنهر السنغال جنوبا.
تمضي ساعات، ويتأكد نبأ مقتل العقيد معمر القذافي، ثم يشرع الناس في الوقوف في طوابير طويلة من سكان مصراته لمشاهدة جثته، والتقاط صور معها…

هكذا كان مصير من وقعوا على معاهدة اتحاد المغرب العربي، قبل سبعة وعشرين عاما.
كل 17 فبراير ونحن نحلم بقيام كياننا المغاربي.