خلال الأيام القليلة التي تسبق فاتح ماي، تكون الحالة الاجتماعية والأمنية في كثير من الدول، أقرب ما تكون لحالة الطوارئ. وتزداد الحالة تعقيدا إذا كانت النقابات العمالية قوية ومتماسكة وذات قيادات وأطر وقواعد قوية. وإذا كانت أيضا حقوق الطبقة العمالية مصادرة وتواجه مطالبها بتعنت الجهات المسؤولة. لقد عاش المغرب كغيره من الدول حقبات تاريخية مماثلة، عرفت حدوث تهديدات حقيقية للسلم الاجتماعي، وأدت إلى صدامات دفع ثمنها بعض قادة النقابات وكثير من القواعد العمالية.

الآن، تقترب الاحتفالات العمالية العالمية من موعدها السنوي، حيث فاجأتنا النقابات الأكثر تمثيلية بقرارها مقاطعة احتفالات هذه السنة. فهل الحالة التي عليها المغرب اليوم تشبه الحالة المشار إليها في الفقرة الأولى أعلاه؟ لاشك أن كثيرا من الظروف المشابهة حاضرة لكن ليس كلها. دعونا نستعرض النقط أعلاه ومقارنتها بالوضعية الراهنة:

  •  وضعية حقوق العمال: لاشك أن الطبقة العاملة المغربية باتت تشكو أكثر من أي وقت مضى من ضياع حقوقها. فالحكومة لم تتقيد بالتنفيذ الكامل والدقيق لاتفاق 26 ابريل 2011 ، ولم تقم بالجهود المطلوبة لذلك. أكثر من ذلك قامت هذه الحكومة ولا تزال بعدة إجراءات تهدد تأمين متطلبات الحياة الكريمة لمواطنيها كالرفع من أسعار المواد المرتبطة بالمعيش اليومي وتجميد الأجور وترك الضغط الضريبي على حالته المخيفة؛
  •  قوة النقابات: لايمكن أن توصف الوضعية الحالية لهذه النقابات بأنها قوية لدرجة قدرتها على ممارسة الضغط المطلوب على الفاعل السياسي. ويمكن تفسير ذلك بالبلقنة والتعدد المفرط لهذه النقابات أمام توحد الفاعل الممسك بسلطات التنفيذ السياسية والاقتصادية. فهي أكثر من أصابع اليدين والرجلين مجتمعة. والأنكى من ذلك أن كل دكان سياسي يفتخر بتوفره على ما يسمى “ذراعه النقابي”. فكيف، في وضعية كهذه، يمكن للنقابات أن تحمل الحكومة على تنفيذ طلباتها؟!

ولماذا أعلنت هذا الموقف غير المسبوق بمقاطعة احتفالات العيد العمالي؟

يمكن، وبحسابات الربح والخسارة، أن نحاول تشريح أبعاد هذا القرار. إن النقابات، وبعد تحليلها لحصيلة وتبعات مختلف الحركات الاحتجاجية، وجدت نفسها قليلة الحيلة. فكان لزاما أن تجتهد وتبتكر لتخرج من موقف فاتح ماي بأقل الخسائر الممكنة. ومن هنا تفتقت عبقريتها، واهتدت إلى الأسلوب القديم الجديد: سياسة الكرسي الفارغ. وهكذا استهدفت ضرب عصفورين بحجر واحد: عدم التعرض لموقف مخجل من ضعف المشاركة، وتسجيل سابقة في الاحتجاج قد تحرج الحكومة أمام الشعب بقولها: أنت تقررين وحدك، فاحتفلي وحدك.

إن إصرار الحكومة بالهجوم على القدرة المعيشية وليس فقط الشرائية للطبقة العاملة، يقتضي ردا مناسبا من النقابات. لكن وضعها الحالي يدعو للرثاء:

  •  التعدد والانقسامات والتصدعات، كما سلف الذكر؛
  •  اختلاف التوجهات والأولويات لدى قادتها؛
  •  عدم تشبيب القيادات النقابية واستمرار الوجوه القديمة المتهالكة في التمسك برئاستها؛
  •  الوضعية غير الواضحة وانعدام واجب تقديم الحسابات التي تثير الكثير من الشكوك فيما يخص تسيير مالية النقابات تدبير ممتلكاتها وخاصة العقارية والتجارية؛ مع علمنا بتسلمها للمساعدات المالية المباشرة من الحكومة؛
  •  فقدان المصداقية بفعل الشكوك والأسئلة التي تثار هنا وهناك، حول تصرفات بعض النقابيين في تعاملهم مع الملفات الخاصة لبعض المتضررين من منخرطيها؛ أي سيادة نوع من المحسوبية والزبونية في الدفاع عن الحالات الشخصية.

إذن، وفي حالة كهذه، تنعدم قوة الضغط لدى النقابات، التي إذا أرادت تصحيح المعادلة، فلا بد أن تؤمن بأشياء تعتبر من الأساسيات في العمل النقابي؛ وهي: تداول القيادة والتسيير، وتشبيب القيادات، وتطبيق مبدإ التصريح بالممتلكات وتفعيل المحاسبة، والتعامل مع ملفات المنخرطين على قدم المساواة. وقبل كل ذلك، الإيمان بأن العمل النقابي تضحية وليس ظهر فرس مطهم يِحمل إلى قضاء كل الحاجات. هل معنى ذلك أننا نطالبهم أن يكونوا أقرب إلى الملائكة؟! ربما لكن على الأقل فيما يمكن لبني البشر أن يتحلوا به من نزاهة، وذلك أمام الفعل الشيطاني الذي تتميز به السلطة التنفيذية الآن وأكثر من أي وقت مضى.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ