باريس: عبد الوحيد خوجة

يفرض عليك ربما كغيرك من عديد الناس، تمثالٌ وضعته سلطات مدينة “كاين”بمنطقة النورماندي أمام متحف الحرب العالمية الثانية، أن تعيد النظر كرَّتين في تاريخ فرنسا، فالمعْلـَمَة، تمثل جنديا أمريكيا من المارينز، في موقف حميمي مع ممرضة فرنسية، تلبس ثيابا يغطي بالكاد ركبتها.

داخل المتحف، سيدة في الخمسين من عمرها، تحكي وتُعيد، بشكل لا يكلّ ولا يملّ، وبسرد روائي جميل، وهي تحكي بصوت جذاب،عملية إنزال القوات الأمريكية على شواطئ النورماندي، لحظة بلحظة، بكامل زخمها الإنساني، وعظمة اللحظة التاريخية، أو ذلك المشترك، بين تاريخنا وتاريخهم..

لا شيء هنا يعلو فوق فرنسا، إنها تقدَم لضيوف محتف الحرب، كالقوة التي حاربت النازيين ببطولة نادرة، و لا حديث عما فعلته فرنسا بما فعله بها المحتل، وهي التي احتلت، أو وضعت، تحت حمايتها، أمما وأقواما في إفريقيا وآسيا وغيرها..

هي إذن ضحية، قتلت ضحيتها، في مشهد يثير غرابة أمر هذا التاريخ بخداعه ومكره، وعماه المطلق، إنها فرنسا الضحية، التي يمارس عليها النازيون حربا عسكرية وعرقية فظيعة وفي ذات الوقت، هي نفسها التي تمارس حروبا على شعوب أخرى، ليست أقل بطشا وتذميرا.

لقد أثار انتباهي في لحظة ما، ونحن نتابع تفاصيل ودقائق الغزو الألماني والمقاومة الفرنسية، كيف أوقفتنا السيدة/المرشد، عند مجسَّم المحرقة، وهي تقول في ما فعله الألمان باليهود، ما لم تقله عن أماكن أخرى.

هنا توقفت كثيرا وتذكرتُ صورة الضحية التي تقتل ضحيتها، حضرني للتو مشهد الشهيد الفلسطيني محمد الدرة وهو يتلقى الرصاص الحي في زاوية وأبوه يحاول أن يحميه بجسده، قد يكون من رماه بالرصاص قد فقد أباه أو أمه أو هما معا، هناك في معسكرات التقتيل في بولونيا.

تحت قوس النصر بغادة الإليزيه بأجمل شوارع باريس، تذكرت قول طالب أزهري نزل ضيفا على عاصمة الأنوار، وهو يقول بعفوية أهل النيل:”إذا كان لا بد أن يكون للعالم عاصمة فهي باريس وإذا كان لابد أن يكون – أستغفر الله – للجنة عاصمة فلن تكون إلا باريس”.

وقف الجميع في خشوع لإلقاء نظرة على الجندي المجهول، هي تلك شعلة متقدة لا يطالها النسيان، تعايشٌ بين الحرب والسلم،  تذكر بالحرب في فظاعتها، وبالسلم في تعايش الفرنسيين، بكافة أصولهم ولغاتهم ومشاربهم المتعددة.

الجندي المجهول، قد يكون أسود اللون أو أبيضه، قد يكون فرنسي المنشأ أو إفريقيا، لكنه وجد نفسه يحارب بجانب فرنسي آخر ضد الغزو النازي، فكم كان جميلا ومؤثرا أن تعزف الجوقة العسكرية النشيد الوطني المغربي بشكل راقٍ وجميل.

هنا قال صاحبي وهو يبحث عن مكان يُقربه من الشعلة: “من ينظم الحفل”؟، قلت البرلمان الفرنسي بمجلسيه على شرف البرلمان المغربي بمجلسيه، قال:” قلما يشهد هذا المكان مثل هذه التظاهرات التي ينظمها قدماء المحاربين يأتون من كل فج عميق تقديسا لتاريخهم ولبلدهم” وسكت.

وضعنا الإكليل على وقع الموسيقى، وكأن الجندي المجهول، هو جندي معلوم قد يكون من قرى الأطلس، أو هضاب الشاوية أو الشواطئ الأطلسية أو من أعماق كلميم… أي قد يكون مغربي الولادة.. فرنسي المدفن..

ونحن نجوب ساحل شواطئ النورماندي في جو بارد وسماء مغطاة بسحب كثيفة، كانت السيدة/ المرشد، لا تزال تحكي عن تاريخ الشواطئ بنفس النبرة، بنفس النبش في التفاصيل، كما ولو تحكي عن مقاومة بلدها بدماء من اجدادنا، صفقنا في نهاية الجولة بحرارة متناهية. لم نكن نعرف لمن نصفق؟ هل لتاريخ فرنسا أم لطريقة السرد الجميلة الراقية. المهم أننا أعجبنا بالسيدة/ المرشد إعجابها بتاريخ وطنها…

في لحظة تمرد فكري، راودتي، صورة من كلفناهم بالحفاظ على تاريخنا، هناك في الوطن، لا أحد منهم يكلـِّم الناس عن تاريخنا البطولي بهذه القدرة على الإقناع والجذب، فقد قال أحد الخطباء،”إننا نملك في المغرب ما يمكن أن يحكى للأجانب عن تاريخنا وحروبنا ومقاومتنا، لكننا نفتقر لمن يحكيه بهذا الشكل الجذاب”.

“كابورغ”مدينة نبتت على الشاطئ كزهر جميل، هدوء لا يكسره إلا انكسار الموج على الشاطئ، شوارع مقفرة إلا من بعض هواة الركض، هي عند نادل مدينة تعيش صخبها  في شهر من السنة، وتعود إلى هدوئها  بعد رحيل سواح جوها المعتدل وشواطئها الجميلة، أولئك القادمون من أصقاع العالم.

وسط جمال هذه المدينة، تجدك ملزما المساءلة الذات والناس، حول هل فعلا عرفت هذه المناطق حربا منذ ستين عاما؟. كل شيء معدٌّ هنا لنسيان ما وقع، وكل شيء مقرر للتمعن فيما وقع…

تلطفت بلطائف الحيل على حد قول الإمام حامد الغزالي وقصدت المدينة في سفر مع الذات.. إنه هو من جديد،  يظهر من بعيد تمثال الجندي الأمريكي والممرضة الفرنسية عاد ليستفزني، لا بل، لينبهني إلى تعانق الحرب والسلم.. ويقول وإن الحب لا يستسلم إلا لصوت العاطفة.. صوت العاطفة رغم قساوة الحروب…

في القطار صمت يذكـِّر بالمعابد، وضعت سماعة آلة التسجيل في أذني، غفوت للحظات، أيقظني صوت الشاعر الأبدي محمود درويش:

مر الخريف ولم أنتبه

مر كل الخريف

وتاريخنا مر على الرصيف ولم ننتبه