عبد الرزاق طريبق, ل”ماذا جرى”

بالنسبة لآلاف المهاجرين الذين غامروا بحياتهم من آسيا وإفريقيا نحو تركيا ومنها ركوب بحر إيجة في قوارب متهالكة، فوصولهم لأول جزيرة يونانية أصبح يعني بداية رحلة التيه والضياع، بعد أن أغلقت الحدود في وجههم وعلقوا في بلد غارق في أزمته الاقتصادية الحادة ويتحمل فوق قدرته تدفقات يومية بما بين 3000 و4000 لاجئ ومهاجر.

ووفقا للاحصائيات اليونانية الرسمية فمن أصل 103 ألف مهاجر وطالب لجوء دخلوا البلاد في ديسمبر الماضي تم إحصاء 12 الف مهاجر قادمين من بلدان لا تنطبق عليهم مواصفات اللجوء ويعتبرون في خانة المهاجرين الاقتصاديين غالبيتهم من آسيا وإيران واليمن وشمال وشرق إفريقيا.

وإذا كانت طريق البلقان ماتزال مفتوحة في وجه اللاجئين السوريين والعراقيين والأفغان دون غيرهم، فأمام الآخرين الذين وقعوا في “المصيدة اليونانية” خياران قانونيان أولهما التقدم بطلب لجوء والقبول بالعيش في أوضاع صعبة للغاية في انتظار دراسة طلبهم في بلد نسبة البطالة فيه مرتفعة الى أزيد من 25 في المائة، وغير قادر على تلبية تحملات إضافية للمهاجرين، فيما يتمثل الخيار الثاني في القبول بالترحيل الطوعي بمساعدة المنظمة العالمية للهجرة والسلطات الرسمية لبلاده.

ويظل خيار ثالث مطروحا وهو منح مبالغ مالية للمهربين لنقلهم إلى داخل مقدونيا ومن ثمة البحث عن طرق لغرب أوربا، غير أن الوصول أصبح شبه مستحيل مع الاجراءات الامنية المشددة وعمليات الاعتقال الممنهجة التي يتعرض لها كل من اعتقل علاوة على قساوة الشتاء.

فلم تكتف بلدان طريق البلقان بدءا من جمهورية يوغوسلافيا السابقة مقدونيا، ثم صربيا وكرواتيا وسلوفينيا، بإغلاق حدودها بل بنت أسوارا من الأسلاك الشائكة، مراقبة بالكاميرات الحرارية، وفتحت المعتقلات، ونشرت قوات الجيش وعززت من عمليات المراقبة والدوريات.

ثم حذت حذوها دول الجوار، والتي خشيت أن يبحث المهاجرون عن طرق بديلة للعبور نحو ألمانيا أو السويد، وعززت دول كرومانيا وبلغاريا وألبانيا عمليات المراقبة، على غرار هنغاريا أولى الدول التي أغلقت حدودها، وأصبحت بلدان وسط أوربا متآزرة بشكل غريب في مواجهة “عدو” يدعى “المهاجرون”.

وبقيت اليونان تصارع لوحدها كيفية تدبير تدفقات يومية متواصلة من نحو 4000 مهاجر وطالب لجوء، ولا ترى بديلا من ضرورة وفاء تركيا بالتزاماتها لبروكسيل في وقف التدفقات انطلاقا من أراضيها، والتعاون الكامل في منع وصول المزيد من المهاجرين الى الجزر اليونانية.

وتوصل الاتحاد الأوربي وتركيا في نوفمبر الماضي لاتفاق تلتزم بموجبه أنقرة ببذل جهود في الحد من تدفقات المهاجرين في مقابل حصولها على مساعدات من ثلاثة مليارات أورو توجه لدعم اللاجئين المتواجدين فوق أراضيها، وفتح مسارات جديدة في التفاوض بشأن انضمام تركيا الى الاتحاد.

لكن أثينا لا تسجل إحراز أي تقدم على هذا المسار، واتهم الرئيس اليوناني بروكوبيس بافلوبولوس تركيا بكونها لا تبذل مجهودات كافية للتقليل من أعداد المهاجرين الوافدين على بلاده، ولم يتورع في اتهام مسؤولي الموانئ التركية بكونهم يساعدون مهربي البشر.

وقال بروكوبيس في تصريحات نشرت أمس الإثنين “إنني أخشى بشكل قوي أن يكون المهربون الاتراك يحصلون على الدعم من قبل السلطات”، مضيفا “وبالخصوص كون السلطات المينائية تتصرف كما لو أنه لا شيء يحدث، وهناك حالات حصل فيه المهربون على الدعم ولدينا دلائل على ذلك”.

الاتحاد الاوربي بدوره أعلن في مطلع يناير الجاري أنه غير مرتاح لنوعية التعاون التركي بما أن تدفقات المهاجرين ما تزال مرتفعة.

في المقابل تقول تركيا إنها تبذل جهودا كبيرة لمواجهة تدفقات المهاجرين وطالبي اللجوء، وأنها تتحمل العبء الأكبر في المنطقة بما أنها تستقبل فوق أراضيها أكثر من مليوني لاجئ سوري فقط.

وفرضت تركيا مؤخرا التأشيرة على السوريين الوافدين جوا على تركيا في محاولة لثني مزيد من اللاجئين السوريين القادمين مباشرة من دمشق أو بيروت على أمل اللحاق بجحافل اللاجئين على طريق البلقان.

وبالنسبة لليونان بوابة الدخول الرئيسية للمهاجرين الى الاتحاد الأوربي، فإن جزء من الحل في يد تركيا أساسا، وتؤكد أثينا على ضرورة أن تشدد أنقرة إجراءات المراقبة على سواحلها وتقبل أيضا بإعادة استقبال المهاجرين الذين لا تنطبق عليهم صفة اللجوء.

ويتوقع أن تجري اليونان وتركيا على مدار الأيام المقبلة سلسلة اجتماعات ثنائية يطغى عليها ملف اللاجئين، حيث سيلتقي رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس بنظيره التركي أحمد داود أوغلو على هامش منتدى دافوس بسويسرا في 21 و22 يناير الجاري.

كما سيزور وزير الخارجية التركي مولود جاويش اوغلو أثينا ما بين 3 و5 فبراير المقبل للقاء نظيره اليوناني نيكوس كوتسياس، للتحضير للقاء مرتقب بين الوزيرين الاولين في البلدين نهاية فبراير في إيزمير.

وعرض المسؤولون اليونانيون عدة خيارات من بينها الضغط على تركيا لاستقبال المهاجرين الذين لا تنطبق عليهم صفة اللجوء، وبالفعل فقد تم ترحيل بضعة عشرات عبر المنفذ البري إيفروس بين البلدين غالبيتهم من إفريقيا لا تطبق تركيا على بلدانهم نظام تأشيرات الدخول، غير أن هذه الاعداد تبقى نقطة في بحر بالنظر للالاف العالقين في اليونان.

كما طالبت اليونان من وكالة حماية الحدود الاوربية (فرونتيكس) المساعدة في إقامة طريق بحري لترحيل المهاجرين وإعادتهم لتركيا، مقترحة تسيير سفن من جزيرة ليسفوس بوابة الدخول الرئيسية للمهاجرين لليونان وجزر أخرى نحو الساحل التركي من أجل إرجاع المهاجرين الذين لا تنطبق عليهم صفة اللجوء.

وبحسب إحصائيات حرس السواحل اليونانية فقد دخل البلاد قادمين عبر البحر من تركيا خلال العام 2015 ما مجموعه 847 الف و863 مهاجرا وطالب لجوء، فيما تم اعتقال 481 مهربا للبشر خلال السنة نفسها.