تتداول العديد من المواقع الإلكترونية صرخات نساء ورجال أنهكهم الظلم وأثقل كاهلهم، فاكتفوا بالصراخ والعويل عبر الوسائل المتاحة لهم، مادامت العين بصيرة واليد قصيرة.

أغلب هؤلاء الضعفاء فضلوا أن يحيلوا أمرهم إلى الله الواحد الأحد، فهو القوي الجبار، وهو القادر القهار في ارضه وسمائه اللتين يحرسهما ليل نهار..

وفي الأسبوع الماضي ظهرت سيدة وقد اصطحبت معها أبناءها إلى مقر العمل، فيهم طفل صغير يحمل راية وطنه، وطفلة أخرى مذهولة وخائفة مما يجري أمامها، والسيدة تصرخ بأعلى ما في صوتها:”انقدني يا جلالة الملك”.

وإذا كان واضحا أن هذه السيدة هيأت نفسها بشكل جد مرتب لتشهر هذا الاحتجاج إعلاميا، فالمؤكد أيضا أن وجع الغبن والحيف هما اللذان دفعاها إلى هذا الموقف المثير للشفقة.

وهواة الظلم كثيرون في وطني، منهم من يحتمي بالسلطة والنفوذ، ومنهم من يحتمي بالمظلات والنقود، ومنهم من يحلو له الظلم، لا لشيئ، إلا لأنه يعشق الظلم، أي أنه يميل إلى السادية،شانه في ذلك شأن هتلر وموسوليني وستالين وغيرهم.

وفي مثل هؤلاء قال المتنبي يوما:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد   ذا عفة فلعلة لا يظلم

كنت أتمنى أن تجد العفة رصيدها في القيم والأخلاق، لا في الأمراض والعلل، وإن كان المتنبي يقصد بالعلة السبب.

في زمن من أزمنة العباسيين صرخت امرأة تستنجد المعتصم من ظلم ألم بها حين اهانها  امير رومي يحكم عمورية وطلب من أعوانه جرها مكبلة اليدين والرجلين إلى السجن، لا لشيء سوى أنها رفضت مضاجعته حفظا لكرامتها وحياءها ودينها، فوجهت وجهها للسماء وصرخت باكية مـتألمة من جراح الظلم والطغيان “يا ألله ..وا معتصماه”، فسمعها كل من في السوق ومنهم أحد المسلمين الذين قام بنقل الخبر إلى المعتصم، فكاتب المعتصم الأمير الرومي قائلا: “من أمير المؤمنين إلى كلب الروم، أخرج المرأة من السجن، وإلا أتيتك بجيش بدايته عندك، ونهايته عندي”.

ولما لم يستجب الرومي لطلبه، هب المعتصم إلى نجدة السيدة غير مكترث لأقوال المنجمين الذين طالبوه بتأخير الهجوم إلى حين أن ينضج التين، فأحرق عمورية، ونكل بأعدائه الذين ظلموا السيدة المستغيثة، وسجل التاريخ قصيدة رائعة نظمها أبو تمام لمدح المعتصم بمناسبة حربه على الأعداء:

لقد تركت أمير المؤمنين بها      للنار يوما ذليل الصخر والخشب

غادرت بها بهيم  الليل وهو             ضحى يشله وسطها صبح من اللهب

الأمر واضح إذن؛ فإذا صلح العدل، فر الظلم من كل النوافذ، واستقامت الأحوال، وشعر الناس بالأمن والأمان، أما إذا فسد العدل؛  فستسحق الكرامة وتداس الفضائل، وتهان الدولة.

في بلد أوروبي كألمانيا، نسي الناس مشاكل العدالة لأن بلدهم أصبح يكفلها للكبير والصغير، وللغني والفقير، فانشغل الناس باحثين عن عدالات أخرى لكائنات أخرى منها الشجر مثلا،فجعلوا لكل شجرة رقما يعلق عليها يجسد هويتها وانتماءها وتاريخها، ويحميها من أي تطاول لأي شخص لا يحترم حق الأشجار في الحياة،،تصوروا معي يا أعز القراء،،كم غابة توجد في ألمانيا،وبالتالي كم شجرة تحمل بطاقة تعريف موشومة على صفيحة معلقة عليها.

وفي أمريكا ترى الشجر يزهو واقفا والبهجة تعلو محياه، أوراقه يانعة، وهامته عالية وكبرياؤه محفوظ، وقد قيل لي أن الأسمدة التي توضع لتغذية هذه الأشجار هي السر في يناعته وبهجته،وقيل لي أيضا أن شجرة ذات أصول يابانية حجبت رؤية الرئيس في البيت الأبيض، فاستغرق الأمر ثلاث سنوات كي يتم تحويلها بعناية كبيرة من مكانها ويتمكن الرئيس من إطلاته على جيفرسون من مكتبه داخل البيت الأبيض، ولكن المضحك في الأامر أنه ما أن قبل طلب الرئيس حتى اقتربت نهاية ولايته.

إذن فهناك انتقلوا بسرعة كبيرة من حقوق الإنسان إلى حقوق كل الكائنات، لا يميزون فيها الشجر عن الحجر، أما الحيوانات والحشرات فحدث ولا حرج…

أما في هذه البلدان فلازال الناس مختلفين في مفهوم الإنسان وتعريفه،وهل كل البشر لهم حقوق في هذا الكون؟،ومن أين يستمد الإنسان حقوقه؟وهل الحقوق يتم توريثها وإرثها أم أنها مكتسبة ؟، وقد يستغرق الأمر كثيرا من الوقت لكي يتفق المعنيون هنا حول تعريف موحد للإنسان، قبل ان يفكروا في وضع قاموس وميثاق لحقوقه طبعا.

ولعل قوارب الموت التي تقتل ركابها بتحالف مع البحر الأبيض المتوسط هي أرحم _حسب أحد المهاجرين السوريين _ من وطنه وحكامه، وقد قال قبل موته في مدونة كتبها قبل أن يدخل عباب البحر: “الحمد لله أن البحر سيستقبل أجسادنا دون أن يطلب منا”الفيزا”، والأسماك ستأكلنا دون تمييز عرقي او ديني”.

وإلى ذلك الحين، فسيظل الظلم جبارا يسطو بسيفه، كما يسطوا هواة “الشرملة” وقطاع الطرق بسيوفهم في العديد من مدننا.

رحم الله الإمام الشافعي فهو من قال:

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا   فالظلم ترجع عقباه بالندم

تنام عيناك والمظلوم منتبه   يدعو عليك وعين الله لم تنم