ماذا جرى – تحقيق

مهما كانت الأسباب فإنها لا تبرر المضايقات التي يتعرض لها السائقون وتحديدا أصحاب السيارات عند مواقف إشارات المرور. والأكيد أن مخترعي هذه الأخيرة منذ بداية القرن الماضي لم يدر بخلدهم لحظة ابتكارهم هذا الإنجاز أن ما سطروه أهدافا ستضاف إليه مهام أخرى لا علاقة لها بتنظيم المرور وتخفيف الضغط على الطرقات. بل الأخطر من ذلك أن تصبح مصدر إرهاق وتعكير مزاج السائقين قبل الإلقاء بهم في مطبات نفسية وأحيانا جسدية ترخي بسلبياتها على الوضع العام لحركة السير والجولان. فالسائق المغربي وهو على هذا الحال لم يعد همه ينحصر فيما يثقل كاهله من واجبات الضرائب والتأمين والبنزين و”لافيزيت” و مصيدة “الصابو”، بل تعداه إلى التخوف من مفاجآت من يسميهم البعض ب”قراصنة الضو الحمر” الذين لم تعد هناك حدود لممارساتهم، إلى أن صار الوقوف في إحدى إشارات المرور معناه التفاجؤ بهذا يلقي علبة “كلينيكس” داخل السيارة كطريقة إجبار على الشراء، أو بتلك وهي تدق على زجاج النافذة ملوحة بمطويات “دعاء السفر”. أما المتسولون وذوي العاهات فيشكلون إلى جانب المترامين بلا استئذان على الزجاج الأمامي من أجل تنظيفه لوبيا ضاغطا لا يقبل غير “البياج” بديلا لأجل منح تأشيرة المرور، حتى وإن أمر بذلك الشرطي أو سمحت الإشارة الضوئية.

أباطرة إشارات المرور.. خبرة واحترف في نصب الفخاخ

لم يمنع تقلب الطقس المخيم هذه الأيام على الحالة الجوية العامة للبلاد، ممتهني ترصد السائقين بإحدى إشارات المرور في شارع محمد السادس بالدار البيضاء من مواصلتهم لإشهار سيوفهم المسلطة على رقاب كل من صادف حظهم العثر مرورهم باشتعال الضوء الأحمر. إذ وعلى الرغم من أن عقارب الساعة كانت تشير إلى الثالثة والنصف بعد الزوال إلا أن الإصرار على الترقب وحماس الاعتراض لم ينل منهما اضطراب الجو، بل كانت هذه الجو سببا لظهور سلع زادت من عدد البائعين، ومنها مروحيات ومدفئات يدوية تعمل ببطاريتين، لوحظ طفل لا يتجاوز العاشرة من عمره، يحمل أربعة منها وهو منهمك في مفاوضات مع أحد السائقين. الأول يلح على الاقتناء وإبراز مميزات سلعته والثاني يصرخ محاولا التخلص “را ديك 10 دراهم اللي قلتي ماعنديش، وسير أولدي خليني نزيد را الضو الخضر شعل..”. ولم تكن السيارة المشار إليها الوحيدة التي تعذر عليها الانطلاق في الوقت المحدد إلكترونيا، وإنما حوالي 8 سيارات أخرى كانت وراءها لم يملك أصحابها سوى الاحتجاج بالضغط على منبهاتهم، مما ملأ الأجواء ضجيجا لا يحتمل. ولم تعد الوضعية إلى طبيعتها إلا بعد أن دس الرجل في يد الطفل ربما درهم أو درهمين مقابل تخليه عن سلطة المنع. عقب ذلك بدقائق تبين أن ذلك التخلي لم يكن سوى مؤقتا، إذ سرعان ما استنسخ المشهد ذاته مع أول توقف موالي لوسائل النقل وتصدي كل حامل لمنتوج ما للسيارة المحتمل إيفاء مالكها بالغرض، كما هو حال إحدى البائعات التي ما إن اقتربت من سيارة رباعية الدفع حتى ألقت بداخلها علبة من المناديل الورقية وهي تتوسل “عافاك تعاون معانا الله يديك فالنجا ويجيبك فالنجا”، مضيفة بعد أن نبهها السائق إلى أن لديه ما يكفي من “كلينيكس” وهو يشير إلى علبة أمامه “وغير عطيني داكشي اللي سخا به جيبك ياوجه الخير”. ولم تنصرف المرأة إلا بعد أن تمكنت من إجبار مستهدفها على مدها بإحدى القطع النقدية. رجل آخر إلى جانب طفلين وطفلة في ربيعها التاسع تقريبا بدوا أكثر نشاط وهم يتحركون في مفترق الطرق بين جميع الإشارات دون توقف، بحيث ما إن يفتحون المجال لمرور السيارات في هذا الجانب حتى يسرعون إلى التصدي للسيارات الواقفة على الجانب الآخر من غير أخذ نفس الاستراحة. منهم من يحمل كتيبات “دعاء السفر”، ومنهم من يعرض أقراص مدمجة لأفلام وأشرطة غنائية، ومنهم من يتأبط لعبا للأطفال ولوازم مدرسية، كما هناك من اختار الاتجار في “الهراوات”. لكن الجميع يتحول دون تردد إلى متسول لحظة اعتذار صاحب السيارة عن الشراء لسبب من الأسباب. هذا في الوقت الذي يجدون فيه منافسة شرسة من ذوي العاهات المحترفين لحيل استمالة السائقين، سواء عبر الكشف عن موضع عضو مبتور أو مكان جرح أو تشوه خلقي، دون الحديث عن أساليب التحجج بعلب الأدوية الفارغة والوصفات الطبية. ومن لم يقو من هؤلاء على تدبر أمره بنفسه، استعان بشخص آخر سليم للاتكاء عليه أو دفع كرسيه المتحرك، ولما لا الاستجداء بدله. متنقلين بين السيارات والحافلات في الاتجاه الصحيح تارة والاتجاه المعاكس تارة أخرى دون اكتراث لما يشكله ذلك التهور من ارتباك في حركة السير، إن لم يؤد إلى حوادث، فإنه يؤدي لا محالة إلى ارتفاع مستوى السكر في الدم ويهيء كل ظروف الانفعال والنرفزة المجانية. ومع اقتراب موعد آذان صلاة العصر بدأ هؤلاء المعاقين في الانسحاب تدريجيا، ليس لأداء الصلاة ولكن لحجز أماكنهم أمام أبواب أحد المساجد القريبة وممارسة هواية “الطلبة” أو على الأقل تكسير روتين مكان العمل في ظروف أقل حرارة استعدادا لالتحاق جديد وبحيوية أكبر. تاركين الموقع لفئة أخرى اختارت وسيلة محكمة لنوع ثان من الابتزاز. إنهم ماسحي الزجاج الذين يقدمون على عملية التنظيف سواء كانت الواجهة في حاجة إلى ذلك أم العكس، رغب صاحبها أم رفض، طلب ذلك أم لم يطلب. فالمهم بالنسبة لهم هو تنفيذ ما بأفكارهم من خطط ووضع المعني أمام الأمر الواقع، خاصة وأن أغلب المتطوعين ليسوا إلا متشردين يثيرون الخوف في نفوس السائقين أكثر من أي شيء آخر، وقلما يشاهد أحدهم في وعيه الكامل. كان خالد، البالغ 24 سنة، واحدا من بين هؤلاء وهو يؤكد “أنا والله ماكندير شي حاجة من غير الكارو. خدام بحال عباد الله. كنمسح الجاج لكلشي واللي بغا يعطي شي حاجة كيعطيها واللي ما بغاش على خاطرو”، معترفا بوجود أشخاص يسيئون للمهنة ويزعجون السائقين برائحة الخمر المنبعثة من أفواههم أو من قطع الثوب المبللة ب “ليصانص” أو “السيليسيون”، وحتى بمبالغتهم وإلحاحهم المنفر في طلب المقابل. كلام خالد دعمته السعدية، بائعة العلك، حين شددت على أن “فين ما مشيتي كاين المزيان والخايب، وكاينين هنا ناس كبرو ولادهم بهاد الحرفة، وكون لقينا ماحسن ماتشوفناش فهاد الصهودات ومبهدلين راسنا”.