عبد العزيز الرماني

 
منذ تحقيق تنظيم داعش لانتصارات كبيرة في العراق، أخذت على نفسها تدمير كل التماثيل التاريخية المجسدة لكائنات حية، سواء كانت بشرية أو خرافية.

والتحف الحضارية التي دمرتها داعش، وصورتها ونشرتها إلى العالم، كلف التنقيب عنها دموعا، وجهودا، وملايين من الدولارت.

والباحثون والمنقبون يعرفون أنهم حين يعثرون عن بغيتهم أثناء التنقيب، تتملكهم فرحة أكبر من الحاضر، وأعمق من الماضي. وتمتد نشوتهم جميعا من لحظة العثور على الاكتشاف، إلى لحظة تأسيسه، في زمن قضى، من عهد مضى.

ويوم قررت حركة طالبان تدمير تماثيل وأصنام بوذا في أفغانستان، فاهتزنت اليونسكو والأمم المتحدة، ومعهما العالم أجمع. واستجمع الشيخ يوسف القرضاوي قواه كاملة، وهب إلى أفغانستان، رفقة وفد من العلماء والشيوخ؛ ليقنعوا الملا عمر بالعدول عن تدمير تلك التماثيل. فكان ما أراد الملا، ودمرت التماثيل.

والعبرة في التاريخ لا تكون باللحظة، بل بما ستؤول إليه اللحظة. ولمن لا يعتبر أو يتدبر من دروس التاريخ،فطالبان دمرت رموزا تاريخية يعود عمرها إلى1500عام، بغض النظر عن علاقات هذه الرمز بالدين الإسلامي، لأن المسلمين ليسوا وحدهم من يملك العالم. وكما أن للمسلمين تاريخ في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وفي العالم، فللعالم تاريخ في البلاد الإسلامية. ونحن ملزمون باحترام التاريخ كي يحترمنا التاريخ.

دمرت طالبان التماثيل والأصنام البوذية، ودمرت أمريكا حركة طالبان ومعها حركة القاعدة، ظلما او طغيانا، أو بسبب سوء تواصل حضاري، المهم انتهى الأمر، وللتاريخ تبريراته، سيعبر عنها في وقت لاحق.

دعوني من داعش وطالبان وغيرهما،فلعلهم متشددون، والله يعلم بحججهم، أوبمن منا على صواب. لكن، ما رأيكم في اللواء العسكري المصري عبد الرؤوف شوقي؟ الذي انتخب بعد تقاعده من الجيش رئيسا لمدينة الشيخ زايد في مصر، فاستيقظ في يوم دافئ من ايام سنة 2004،وقرر تدمير التماثيل المتواجدة في المدينة.

قال الإعلامي رجاء النقاش حينها غاضبا “ياناس ذا عسكري، مش مدني ولاشيخ ولافقيه”، وقال الروائي جابر عصفور”إن التماثيل التي دمرها اللواء من صنع الفنان الأمريكي جون هوتسون، وإنها تجريدية لا تمثل أشخاصا بعينهم”، وقالت جريدة الأهرام”كان على اللواء أن يستشير مفتي مصر وفقهائها” وقال العلماء المصريون”اللهم إن هذا منكر،فنحن لا نعيش في عصر المماليك، وأبو الهول أصبح في خطر”.

لا أريد أن أطيل على قارئي الكريم، ولكنني سأرحل به إلى رأي قاله شيخ مصري من الحجم الثقيل، في اواخر القرن التاسع عشر، أي منذ أزيد من 100 سنة ؛ إنه الشيخ محمد عبده، وهذا الرأي موجود في أعماله الكاملة التي حققها محمد عمارة في الصفحة 198:”إن حفظ الآثار من الصور والتماثيل هو حفظ للعلم في الحقيقة، وشكر لصاحب الصنعة على الإبداع فيها”.

يا ناس إنها ليست أصناما تعبد، وإنما هي رموز ندرس بها التاريخ، ونعرف عن طريقها من نحن ومن أين أتينا.

عمتم مساء أو طبتم صباحا.