أصبح موضوع الزيادة في الأجور هذه الأيام يشكل مادة دسمة لمختلف وسائل الإعلام الجماهيري، وخاصة المواقع الإلكترونية. ولا غرابة في ذلك؛ فنحن على بعد أيام قلائل من فاتح ماي؛ العيد العالمي للعمال. لكن الغريب في الأمر، هو هذه الجعجعة من الكلام الدائر بين الأطراف ذات الارتباط بالموضوع. ذلك أن المواد الإعلامية كانت عبارة عن عاصفة من الإخبار، ثم النفي، ثم التأكيد بمستجدات يراد لها المصداقية؛ بإدخال أطراف أكثر وزنا، ثم النفي المطلق… ألم أقل لكم أنها متاهة؟ !! . ابتدأت القصة بمخاض الدعوة الحكومية الاضطرارية إلى جولة جديدة من الحوار الاجتماعي، غداة الغليان الشعبي من الزيادات في أسعار المواد الاستهلاكية، ومحاولة الحكومة فرض تصورها في موضوع التقاعد، وما أعقب ذلك من إضرابات قطاعية، ثم الإضراب الوطني العام.

انطلق هذا المسلسل وسط شح في المعلومات. فالنقابات تقدم أولوياتها وطلباتها التي تجسد تصورها لاستمرار السلم الاجتماعي، والحكومة تبرع في الهروب إلى الأمام، بتقديم عروضها التي لا ترقى لانتظارات الطبقة العاملة تارة، وبالتمطيط تارة أخرى، عبر عقد اجتماعات متقطعة بفعل هذا الطارئ أو ذاك. لكن الوقت آخذ في النفاذ قبل موعد الاحتفال العالمي. وهنا بدأت حرب الأخبار والبيانات والتصريحات. فقد أعلنت النقابات أن شرطها الأول في المشاركة في الحوار هو أن توافق الحكومة على مبدإ الزيادة في الأجور. وهو ما استبعدته الأخيرة في الأول، ثم أعلنت قبولها المبدئي بعد تهديد النقابات بالمقاطعة. ثم جاءت تصريحات لبعض قادة النقابات “تبشر” بزيادة معتبرة في الأجور وبخفض في نسبة الضرائب على الدخل، معززة بأرقام. بعدها جاء النفي الحكومي القاطع. وأمام هذا الباب المسدود، وفي ظل هيمنة حالة الترقب، جاءت أخبار بكون الحكومة، وبأمر ملكي، كما أورد أحد المواقع الالكترونية، تعتزم فعلا الزيادة في الأجور. ليأتي السيد وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة، عقب المجلس الحكومي ليوم الخميس المنصرم، فيدلي بتصريح لا لبس فيه ولا غموض؛ أن أي قرار بالزيادة في الأجور لم يتخذ. وهنا يتوقف كل ذي عقل عن استعمال المنطق، مادام أن الأمر في التعاطي مع هذا الموضوع أصبح “لعب الدراري”. إن المحلل لهذا الأمر العجيب، لابد أن يستنتج مايلي:

– أن الحكومة ربما تعمدت هذه الطريقة في إنهاك النقابات وعموم المأجورين، حتى إذا أفرجت عن شيء كان قليلا مثل عظمة يرمى بها للكلب – مع تقديري العالي لكل المأجورين ومناضلي النقابات-؛ ثم تتحكم الحكومة فيما بعد في طريقة ومدة إعطاء ذلكم الفتات لمواطنيها؛

– أن الحكومة تفضل التريث وربح الوقت لإحراج النقابات أمام الطبقة العاملة، متعمدة أن توريها “وزنها الحقيقي” الذي أصبحت بموجبه النقابات مثل ذلك الأسد الهرم الذي تساقطت أنيابه وتقلصت مخالبه، ولم يعد يملك سوى الزئير. خصوصا بعد تغني الحكومة بإحصائياتها لنسب المشاركة في الإضراب العام الأخير.

– أن الحكومة تتعمد إنهاك الرأي العام بحرب الكلام الذي تحسنه، حتى إذا أفرجت عن شيء قليل، اعتبرت ذلك مبررا لتنفيذ ما تسميه بـ”إصلاحاتها” في مجالات مختلفة تمس القوت اليومي للمواطن ومستقبل الحياة لجزء منهم؛ أعني التقاعد.

وفي كل تلك الأحوال، فهناك طرفان على الأقل لايكمن أن يعدا من الرابحين في هذه الحرب، ومنها:

– النقابات التي أصبحت في حيرة من أمرها تجاه هذا التعنت، في وقت فقدت فيه مصداقيتها أمام الرأي العام بفعل ارتمائها في أحضان أحزاب تأكد أنها أخطر في سلوكياتها ورعونة الحكومة؛

– الحكومة نفسها، لأنها بفعلها ذاك فقدت المصداقية أمام جزء كبير من الرأي العام، وخاصة الطبقة المتوسطة التي تجر وراءها جزءا هاما من الطبقة الدنيا، والتي ستفقدها كذلك حين تتلظى بلهب ما تعده لها الحكومة؛

ولتجاوز هذه الوضعية، فعلى كل الأطراف أن تتحلى بخصائل النزاهة والجدية، لتخرج للرأي العام الوطني المغربي بحقيقة ما يجري، وبأسلوب إعلامي واضح لا يحتمل التأويل ولا التعقيد. وذلك للحفاظ على لحمة هذا السلم الاجتماعي الغالي لتتفرغ بلادنا لمواجهة تحديات الإرهاب، والمخدرات، والتهريب، والجهل وغيرها.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ