إبراهيم الإدريسي

رجل يساعد امرأة ذات أطفال على قطع الطريق، وآنسة تترك دورها في الصف أمام شباك البريد لفائدة رجل مسن؛ وشاب يدل عجوزا غريبة على عنوان أهل لها في الحي حاملا معها حزمتها من الأمتعة، وشاب يترك الكرسي في الحافلة لسيدة حامل، وغير ذلك… ثم تنتهي القصة على اعتبار تلك الأفعال واجبات وتصرفات تلقائية. كثيرة هي الإشارات التي يقوم بها الناس يوميا في مجتمعاتنا الإسلامية تجاه ناس آخرين لا يعرفونهم، فقط لأنهم تربوا على أعمال الخير البسيطة هذه بفعل مرجعية والديهم الدينية والاجتماعية. في فرنسا قررت سيدة من بلدة “تورسوان Tourcoing ” شمال البلاد ألا تنتهي القصة عند هذا الحد. وهكذا، وعلى امتداد عمرها وتعاملها مع الناس، أخذت في تدوين أسماء ناس عاديين التقتهم في مناسبات مختلفة وقدموا لها خدمة ما بسيطة على غرار النماذج المشار إليها أعلاه.

بعد عمر ناهز 86 عاما، سنة 2008، توفيت هذه السيدة، وكان اسمها جانين فرومانت Jeannine Vromant، تاركة وراءها ثروة تقدر بـستمائة ألف 600000 أورو (حوالي 6405000 درهم). ولم يكن هناك ورثة لها. لكنها عملت حساب ذلك فتركت لدى الموثق فرانسيس بيكو Francis Bécu وصية شرحت فيها كيفية التصرف في ثروتها. وهكذا طلبت من الموثق توزيع هذا المبلغ الكبير على 303 شخص كتبت أسمائهم في الوصية. هؤلاء الأشخاص ليسوا سوى ناس عاديين جمعتها معهم لقاءات عابرة أو قدموا لها خدمة بسيطة عادية. وطلبت من الموثق تحرير شيك باسم كل واحد وواحدة من هؤلاء بحوالي 2000 أورو. وهكذا كان. لكن المهمة كانت صعبة؛ فالسيدة جانين اكتفت بكتابة الأسماء فقط، ولا إشارات للعنوان أو المهنة.

لقد عمل الموثق بدون كلل ولا ملل في البحث عن الأشخاص المعنيين، واستطاع بحلول شهر غشت 2009، أن يتوصل إلى تحديدهم وبدء التواصل معهم، لكن استجابة هؤلاء استغرقت مدة طويلة حسبما ذكرت صحيفة “لافوا دو نور La Voix du Nord” التي أوردت القصة. وفعلا نظمت حفلة حضرها كثير من المستفيدين المذكورين في الوصية؛ حيث تسلم الجميع شيكاتهم. بينما تكفل الموثق بإرسال الشيكات للذين لم يستطيعوا الحضور.

ومن بين المحظوظين، أيضا، وعلاوة على الأشخاص المجهولين، الجيران، وأبناء العمومة، والأصدقاء، ومستخدمي شركة النقل الحضري بالمدينة.

يبدو أن القصة تقادمت قليلا في تاريخها، لكن العبرة لا تتقادم. سواء بالنسبة لفاعل الخير أو للذي قدمت له خدمة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اصنع المعروف في أهله وفي غير أهله. فإن صادف أهله فهو أهله، وإن لم يصادف أهله فأنت أهله”.