خاص ب”ماذاجرى”

ستعلن النقابات إضرابا عن العمل في الإدارات والجماعات المحلية يوم الخميس المقبل، وقد يشكل هذا الإضراب العام صفعة للحكومة في هذه الفترة الحرجة.

وتشتكي النقابات مما تسميه تعنتا حكوميا في الحوار الاجتماعي وتبرر احتجاجاتها وإضراباتها بكون الحكومة تجاهلت ممثلي الموظفين ومقترحاتهم بخصوص ما سمي بإصلاح صندوق التقاعد.

وتبدو النقابات جادة في قراراتها، وليست مستعدة للتراجع إلى أن تكسر العناد الحكومي، وإلى حدود اللحظة لا يبدو أي حل في الأفق، ما لم يتدخل القصر الملكي من جديد، لوضع الجميع امام مسؤولياته الاجتماعية والسياسية.

فالنقابات تطالب الحكومة بسن مقاربة تشاركية في إصلاح صناديق التقاعد، ولا تقبل بمبدإ أحادية فرض الحلول كما تم بخصوص المكتب الوطني للماء والكهرباء الذي تحمل المواطنون تكاليف سوء تدبيره وضعف حكامته، والنتائج تبدو وخيمة حاليا بعد ما حصل في طنجة وتطوان وشفشاون والدارالبيضاء، حين خرج المواطنون ليحتجون على شركات “أمنديس” و”ريضال” وعلى سياسة التدبير المفوض.

نتائج خطيرة لا تستبعد النقابات ان تتكرر، إذا ما ذهبت الحكومة لوحدها في وضع إصلاح يكلف المنخرطين في الصندوق المغربي للتقاعد الشيء الكثير.

فالدولة حسب كل الدراسات والمعطيات هي المسؤول الأول عن إفلاس صندوق التقاعد، ولا يعقل أن تحمل المنخرطين نتائج تجاهلها طيلة العقود الماضية عن أداء مستحقاتها.

فالدولة حسب هذه المعطيات كانت تقتصر على تغطية العجز الحاصل في الصندوق المغربي للتقاعد دون ان تعمد على سداد  مستحقاتها التي ظلت تتملص منها منذ سنة 1957، إلى أن انهارت المؤسسة، خاصة وان المساهمات من المفترض قانونيا ان تكون مناصفة بين المنخرط والمشغل، وفيما تقتطع مساهمات المنخرط شهريا من أجرته،ظلت الدولة غائبة عن سداد ديونها، اللهم ما تحوله سنويا لفائدة الصندوق لضمان توازنه المالي.

والحكومة المغربية لم تتحرك لإنقاذ الصندوق إلا بعد صدور تقرير تشخيصي عن منظمة العمل الدولية سنة 1994 ، اعتبر في حينه إنذارا حول مستقبل التقاعد في المغرب، فهبت الحكومة سنة 1996 لأداء واجبات انخراطها السنوية لأول مرة، دون أن تسدد ديونها التي تراكمت وتضخمت منذ سنة 1957 ، مما أدى إلى تأزيم الوضع وإن كان الأمر ليس بالخطورة التي تعبر عنها الحكومة.

وتعتبر العديد من النقابات أن التهويل الذي تبالغ الحكومة في طرحه مفاده رغبتها في إنهاك المنخرطين ومس جيوبهم، كما تتوجه اصابع الاتهام إلى إدارة الصندوق المغربي للتقاعد، والمسؤولين الذين تعاقبوا عليه، والذي لم يحسنوا تدبير ميزانيته، ولم يطرحوا الحلول الملائمة في الوقت المناسب.

وقد ظلت إدارات صندوق التقاعد تتهرب عن  الكشف عن حقيقة أزمة المؤسسة، كما انها لم تعرض امام المجلس الإداري حقيقة مالية المؤسسة التي حسب بعض المعطيات عرفت تحسنا كبيرا  أوصلها إلى احتياطي بلغ حوالي 90 مليار درهم.

وبخصوص الاختلالات التي عرفتها صناديق التقاعد في المغرب او خارجه، فمردها ايضا إلى سياسية الخوصصة التي سنتها الدولة وهي سبب ثالث من بين أسباب تأزيم الوضع،ثم هناك قرار المغادرة الطوعية، وكلها إجراءات وضعتها الحكومة دون أن تواكبها بالإصلاحات الضرورية لتخفيف الوطأة على صناديق التقاعد.

وقد اعتبرت المقاربة التي تسلكها الدولة حاليا من اجل إصلاح الصناديق أحادية الجانب وخطيرة، فهي ضخت من جهة 15 مليار درهم، وهو مبلغ يتضمن مساهمة الدولة وتغطية العجز الحاصل في المعاشات العسكرية، وتصفية لجزء من المتأخرات التي تتحمل الدولة مسؤوليتها، ولو  ضخت الدولة كل ديون الصندوق الموضوعة على عاتقها، لانتهت الأزمة، وطويت الصفحة.

من جانب آخر، فالدولة تسعى للإسراع بما تسميه إصلاحات استعجالية، وتتجلى على الخصوص في رفع نسبة الاشتراك تدريجيا، والزيادة في سن التقاعد، وإدخال تعديلات على طريقة احتساب التقاعد، وكلها إجراءات تضر بوضع المتقاعد وجيبه وصحته وأسرته بل وتشكل انتكاسة لحقه في العيش الكريم.

فسن التقاعد يجب رفعه بشكل اختياري وتطوعي حسب كل التوصيات المقترحة من طرف النقابات، لأن الموظف يصاب بعدة امراض بعد سن الستين، ولأن الذي يكتب الله لهم الحياة ليس إلا  فئة محدودة، وبالتالي فما تسعى إليه الحكومة هو الانقضاض على حق من حقوق المواطنين، وهو العيش في راحة نسبية بعد سنين طويلة من العمل.

فإذا ما عمدت الدولة إلى اقتراح رفع السن بشكل طواعي، وأضافت إليه بعض الامتيازات المحفزة، وأدت ما عليها من ديون، وجمعت بين كل صناديق التقاعد، فحينها سيصبح للإصلاح طعمه الخاص، وسيتشجع الجميع للمشاركة فيه دون حيف أو إجحاف.