ذهبت أحزاب المعارضة لتندب حظها وتبكي حالها ومآلها أمام أبواب القصر الملكي,والحقيقة أن هذه الأحزاب رغم تاريخ نضال بعضها الطويل لم تجد ملجأ آخر غير “الدار الكبيرة” لتشكي همومها في ظل هجمات متقنة ولكمات قوية يوجهها رئيس الحكومة الحالي لكل من وقف في طريقه.

في حياتنا السياسية أحزاب كثيرة ظهرت في غفلة من الجميع، ثم اختفت وكأنها لم تكن. ولا أحد تسعه ذاكرته او وثائقه ليذكرنا ب “الحزب الديمقراطي المغربي للرجال الأحرار” وكان على رأسه في أواخر الأربعينات شخص اسمه عبد العالي الإدريسي، أو “حزب الشعب المغربي” وكان على رأسه شخص اسمه عبد القادر الزمراني، ومن يذكر حزبا قيل انه اشتراكي حينها “الحزب الاشتراكي المغربي” وكان على رأسه أحد الفقهاء واسمه الحاج احمد اشماعو….

ولو أردنا ان نستمر في سرد أسماء الأحزاب التي ظهرت ثم اختفت كالثعلب الذي حكي عنه الراحل محمد زفزاف في روايته”الثعلب الذي يظهر ويختفي” لما وسعتنا مساحة المقال وضيق المجال.

إن تاريخ حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي الذين سميا تارة أحزاب الحركة الوطنية، وتارة أخرى أحزاب الكتلة الوطنية، يلقي على عاتقهما مسؤولية لا يجب التعامل معها بالغفلة والتخاذل. والحالة هذه فإن قراء الحقيقة والتاريخ تبين لهم في لحظة من اللحظات سوء المآل الذي قسم ظهر هذين الحزبين.

فالأمية، والفقر، والحاجة، والطمع، والأشياء أخرى ساهمت كلها في إنعاش الغفلة في بيوت الكثير من المغاربة، فتركوا السياسة لحالها ولغير أهلها. إلى ان ترعرعت الغفلة، وكبرت وتقوت، فظهر قوم يبيحون كل شيء، ويقودون السياسة بالألعاب البهلوانية، وحركات تشبه رقصات القردة.

لا أكاد اصدق أن بلدي تناوبت عليه كل الحركات المكونة للأحزاب في ظرف وجيز، وحكمت حكمها، ثم نفضت أياديها بطمأنينة وراحة بال .

رحم الله المعطي بوعبيد الذي قاد الحكومة سنة 1979 لمدة أربع سنوات، ثم أقدم على تأسيس حزب “الاتحاد الدستوري”، وقد كان الراحل معروفا بهدوئه وحكمته، وحين تقدم بطلب الحصول على ترخيص، وعلم الحسن الثاني بتسمية الحزب، ولاحظ لفظة “اتحاد”، استفسره أمام مستشاريه: “هل لازلت تحن للاتحاد الوطني أسي بوعبيد؟”ويقصد حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

استوعب المعطي بوعبيد مغزى السؤال خاصة أن الملك ناداه بكنيته التي يشترك فيها مع عبد الرحيم بوعبيد، فبادر بجواب خفيف الظل: “بل أحن إلى اتحاد المحامين العرب يامولاي؛ فقد كنت رئيسا له في فترة الستينات”.

تأسس الاتحاد الدستوري، وحصل بعدها على المرتبة الأولى في الانتخابات.

أما في زمن  اليوم، فلعل الأستاذ الجامعي المتخصص في الشؤون الإسلامية؛ محمد الظريف، لم ينتبه لمطلح “الاتحاد” في حزبه :”اتحاد الديمقراطيين الجدد”، بينما كانت الداخلية أكثر أستاذية منه، فرمقتها، وطالبته باستبدال التسمية؛ لغياب أي تجمع او اتحاد للأحزاب في مشروعه. ولعلها أول عصا تمتد إلى عجلة الظريف لتزيده ظرافة، وتزيد حزبه يقظة وانتباها.

كم يعجبني المعري وهو يصرخ في وجهنا:

تعب كلها الحياة فلا أعجب     إلا لمن راغب في ازدياد

أنا أيضا أعجب لكل من يرغب في تأسيس حزب جديد. بل أعجب أكثر، لكل من يبحث عن حزب لينخرط فيه.

فالأحزاب التي ذكرناها في بداية هذا المكتوب لا تذكرها إلا بعض الوثائق السياسية المهملة ، اما الذاكرة والتاريخ فلا يبدو ا ن أيا منهما اهتم بها كثيرا.