بقلم: عبد العزيز الرماني 

فيما كانت تسلك طريقها نحو مدينة مراكش قادمة من ورززات، كانت حافلة “الغزالة” رغم هرمها وشيخوختها، تقطع الطريق بأنفة وكبرياء، تبدو وكأنها أسد من أسود الأطلس؛ متمرسة على وعورة الجبال ومنعرجات السبل.

ليلة ليست ككل الليالي، ففي ذلك الثلاثاء؛ التاسع من شهر شتنبر 2012،شعر السائق بالتعب، وهو الذي قضى جزءا من حياته بين الذهاب والإياب على هذه الطريق، فسلم المقود لمساعده.

بدا المساعد متعجلا من أمره، لكن “الغزالة” لم تكن في كامل لياقتها الميكانيكية كي تخضع لنزواته،فالأسد حين يشيخ  يستكين للراحة من التعب، وهاهي الطريق البئيسة تسخر من الحافلة، فتسلمها لصخور الجبل، على هاوية لا تبقي ولا تدر.

كان على متن الحافلة 61 مسافرا، منهم من استسلم للنوم في هدوء وسكينة، مسلما أمره للسائق ولأقدار المولى، بينما فضل البعض الآخر، تجاذب أطراف الحديث بصوت خافت مع من جلسوا إلى جانبهم.

كم فج قطعته الحافلة في مسارها، وكم كيلومتر قطعه السائق ونائبه على مدى السنوات الماضية، لكن ليلة هذا الثلاثاء السوداء ستلطخ بسوادها تاريخ بلد بكامله.

على بعد بضعة كلمترات من مراكش،وفي منطقة تيشكا الأكثر صعوبة وعلوا بين المرتفعات،وفي مسار ضيق وملتوي،تاهت الحافلة عن الطريق، وهي التي اعتادت تفريغ حمولتها بمحطة باب دكالة بمراكش، هاهي في هذه الليلة تضطر لوضعها بين صخور الجبال، كامرأة باغتها المخاض في مكان مجهول.

هوت “الغزالة” مستسلمة لعبث الزمان، ولضعف الجودة والمكان، ولغياب العناية في بلد سجل فيه الفساد كلماته بحبر من ذهب،،، تدحرجت من علو شاهق يفوق 1800 متر، صوب الصخور والأحجار في عمق هاوية  بعمق 150 متر .

لم يتبق في هيكل الحافلة إلا بضع رسوم لصورة غزالة وهي تعدو، ولكلمتين ترحبان بالركاب”أهلا وسهلا”، كتبتا بلون مدادي وبخط كبير على هيكلها الأيمن والأيسر،فأهلا وسهلا لمن يرغب في الانتحار، في طرقنا سيئة الأذكار،،وأهلا وسهلا لمن يرغب في الرحيل، في طرق كلها ويلات وعويل…

وكانت الحصيلة ثقيلة.. 42 قتيلا في تلك الليلة السوداء، وفي تلك الفاجعة التي قال إثرها رئيس الحكومة أنه كان ينوي الاستقالة، لولا استدراكه أنه حديث العهد بالحكم، وأن الحافلة قديمة العهد ومتهالكة.

قضى من قضى، وأصيب الآخرون، كل منهم بعجز متفاوت، بين الجسدي والنفسي. ونكبت عائلات كثيرة في طريق يعود إنجازه الرئيسي إلى سنة 1942، بمبادرة من الجنرال دوغان، في زمن الاستعمار الغاشم..

كم مرة خطط المخططون لوضع نفق تحت الجبل، يعفي المسافرين من الخوف والهلع، في هذا الطريق الخطير. فمنذ بداية السبعينات، وضعت الدراسات تلو الدراسات، ولاشي أنجز خارج الرفوف. وهاهي الطريق تتكلم،وتفضي بما لديها وتتألم، “فإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت”.

وهاهي “تيشكا” تجرف جثث أكثر من أربعين ضحية، سجلوا جميعهم أسماءهم بمداد الغدر على صخور الفج الضيق، وإلى جانب أسماءهم، سجلت اسماء أخرى لأناس تاهت بهم الطريق.

“يااااه”… كم هو عنيد هذا التاريخ الأعور،،،هذا التاريخ الشيخ الذي لم يحفظ وقاره.. إنه يعبث بمشاعري ويعيدني إلى زمن غابر من شتاء سنة 1896، يوم وقعت أول حادثة مرور في تاريخ الإنسانية؛ سيارة بعجلتين رقيقتين تصطدم بأخرى بسبب صعوبة الرؤيا وكثرة الضباب. فيتوفى سائق واحد، وتصاب زوجته بجروح بليغة، بينما نجا سائق السيارة الأخرى، وخرج منها ينزف دما ويصرخ: “يا إلهي كيف حدث هذا؟ أبدا لا يجب أن يتكرر هذا..أبدا لا يجب أن يتكرر مرة أخرى”.

وفي اليوم الموالي؛ خرجت الصحافة الإنجليزية على قلتها آنذاك، بمانشيتات عريضة، تردد فيها ما قاله السائق المصاب “لا يجب أن يتكرر هذا مرة أخرى”.

إن التاريخ الذي رما بي إلى لندن القديمة، هو نفسه الذي رمى بي إلى شهر شتنبر من سنة 2012 ، لأتذكر حافلة “تيشكا” التي دمرها زمن الإهمال والغفلة،فرمت بكل من كان في جوفها إلى زمن النسيان بين قبور مشتتة في مقابر متباعدة.

فلو خرجتم من بين قبوركم يا ضحايا حادثة “تيشكا”.،حيثما دفنتم في تلك المقابر المتباعدة،،ولو صرختم في وجهنا أيها الموتى : “هذا لا يجب ان يحدث مرة أخرى”، لما عبث لهيب النيران الحارقة قرب طانطان، بتلك الأجساد البريئة.

يا إلاهي.. هل يموت الأطفال أيضا بأخطائنا، ألا يخجل فينا الفساد والجشع والتهور، ألم يستح الطمع وانعدام المسؤولية من براءة الأطفال،،، وكيف لهما أن يزرعا أنيابهما الحادة في أجساد نحيلة وصغيرة…

والله،،سنبكيكم ما بقينا أحياء على هذه الأرض، يا ملائكة كتب لها أن تحيا في السماء بعيدا عن هذه الأرض الدنيا.