في واحدة من تلكم الأيام البعيدة من تاريخ الحضارة الإسلامية العريقة، كان الإمام أبي حنيفة، أحد رواد المذاهب الأربعة المعروفة، كان بحضرة طلابه حين دخل عليه شخص غريب مهيب. واحتراما لما قد تكون عليه مكانته العلمية فقد جمع أبي حنيفة رجله رغم كونه يشتكي من ألم فيها. ومرت لحظات لاذ خلالها الرجل الغريب بالصمت، لكنه في الأخير وجه سؤالا بسيطا إلى العالم: متى يفطر الصائم؟ فأجابه أبو حنيفة ببساطة: بعد غروب الشمس. لكن الرجل سأل: وإذا لم تغرب الشمس؟!! وهنا قال أبو حنيفة قولته المأثورة: الآن يمكن لأبي حنيفة أن يمد رجله !!.

إن مناسبة التذكير بهذه الواقعة الطريفة، ما يجري في هذه الآونة من لغط كبير في الأوساط السياسية الحزبية في شأن من شؤون الحياة الخاصة لهذا الفاعل السياسي أوذاك. ذلك أن طبيعة المعركة السياسية الحاصلة في المغرب أصبحت خارج أعراف ما يقتضيه النضج السياسي. وتفوقت على الكلام الساقط للعامة والغوغاء.  ويرى المتتبعون لأمور السياسة ببلادنا أن الديمقراطية التي سمحت للكثيرين بفتح أفواههم على عواهنها، حولت اتجاه الممارسة السياسية، من الحديث المفترض عن شؤون وهموم الوطن، وكشف العيوب في ممارسة السلطة والمعارضة بما يقوم الاعوجاج ويصحح الأخطاء، إلى ما يشبه الكلام الأجوف الذي يقال في أماكن لا رقابة ذاتية فيها سياسية كانت أم أخلاقية.
ويذهب بعض المحللين في تفسير ذلك إلى أن فاقد الشيء لا يعطيه. ويستندون في قولهم ذاك، إلى أن الأحزاب السياسية وقادتها في الوقت الراهن فقدوا تماما مكانتهم الاعتبارية لدى عموم الشعب، وأصبحوا مجرد أثاث للديكور الديمقراطي لا أكثر. وبمعنى آخر انتهت مدة أهليتهم؛ تماما مثل علبة سردين جاوزت تاريخ صلاحيتها بكثير. فقد انكشف المستور واتضحت حقيقة هذه الأحزاب في نفاقها وتعطشها للسلطة مقابل أي شيء، ثم التنكر بعد ذلك لما تعهدت به لعموم الشعب الذي صوت لصالحها يوما ما. وقد أثبتت التجارب أن كل الأحزاب مارست ذلك، بدون فرق، فأولاد عبد الواحد كلهم واحد. ونتيجة لوضعية فقدان المصداقية هذه لدى الرأي العام، فقد تجردت من كل قيم النضج السياسي واحترام الاختلاف، فأصبح عوض الاهتمام بمصالح الشعب تقوم بإلهاء الشعب وتحويل أنظاره من السمين إلى الغث وبأساليب ساقطة في وحل الهمجية السياسية.
وحين يصل الأمر إلى مثل هذه الوضعية تطرح خيارات وأسئلة: هل هناك بديل؟ هل يمكن وضع ديمقراطية على المقاس تمكن من تقليص هامش الحرية “الكلامية” بناء على مقولة إن الله يزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن، وذلك بما يحترم تقاليد الممارسة السياسية الناضجة؟ وكيف السبيل إلى ذلك دون المساس بصورة يحاول المغرب أن يصبح فيها النموذج في محيط عربي متجمد ديمقراطيا؟

إن التحول والتزام حدود اللباقة والنضج السياسي، يجب أن يأتي من عمق نفوس هؤلاء المتزعمين للأحزاب، حتى يتمتعوا برصيد من المصداقية والجدية وتتحسن صورتهم أمام الرأي العام
وفي انتظار ذلك، وفي ظل الوضعية الراهنة، فإن الطبقة الساسية في ممارساتها الخرقاء هذه، تسيء إلى نفسها من حيث لاتدري. فهي تنفر المواطنين عوض تعبئتهم. وتفرغ الحياة السياسية من معناها السامي في السعي إلى التداول على السلطة من باب البقاء للأصلح. وإذا فقدت هذه المعاني، فسلام على “وضعية المغرب المتفردة” وربما سلام على مستقبل الاستقرار في البلاد؛ لأن الإمعان في إثارة الأضغان وإلهاب الأحقاد لايؤدي إلا إلى كارثة. والذي يزرع الرياح لا يحصد سوى العواصف.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ