رأي د. يحيى العريضي
وصلته الدعوة في بداية الشهر؛ حمل ما تبقى من جواز سفره الذي أصبح منبوذاً؛ واتجه نحو سفارة دولة اوروبية. بعد أخذ ورد تجاوز خمسة أيام – وبناءً على الدعوة – حصل على سمة دخول ( فيزا) أوربية تُسمَّى ” شنغن”، ولكن لمدة أسبوع فقط تمتد من العاشر إلى السادس عشر من الشهر.

وصل ذلك البلد – الذي خرج منه ملوك الطوائف العرب بعد أن مكثوا فيه سبعة قرون انتهت باقتتال بينهم وخسارتهم الفردوس. وصلها، واستهلك ثلاثة من أيام الفيزا الممنوحة وبقي ثلاثة أو أربعة أيام لايمكن أن ينهي خلالها ماذهب إلى بلد أوربي أخر مجاور بحثاً عن ملجأ من الدمار والدم الذي حل بعد الخروج الكبير من مسقط الرأس بحثاً عن وطن ما بعد ضياع الوطن على يد نمط جديد من ملوك الطوائف لم ولن ترى البشرية شبيهاً له.

في المكان الأوربي الآخر استهلك ما تبقى من أيام وزاد عليها أربعة. كسر ” الفيزا “؛ فاقترح الخبراء عليه ألا يعود إلى مكان لجوئه المؤقت عبر البلد الذي أجرى فيه بعض المعاملات الورقية في البحث عن وطن يحمي نسبياً ما تبقى له من أيام على هذا الكوكب.

ركب القطار لساعات بين بلدين أوربيين. كانت الوجهة مدينة ميونخ ومطارها. وصل قبل موعد الطائرة العائدة إلى وطن الخيم المؤقت بأربع ساعات. حجز التذكرة؛ وحمل جوازه واتجه إلى نقطة الشرطة (البوليس) الذي يمهر جوازات الإخراج.

نظر إليه الشرطي عبر الكّوة البوليسية نظرة لن ينساها حتى يموت – ويتمنى أن يكون ذلك قريباً – نظرة فتحت كل دفاتر وسجلاّت الأموات من أيام نبوخذ نصرّ مروراً بهاني بعل إلى أيام الصليبين وسلاطين تركيا أبناء ملتنا وصولاً إلى نتنياهو فبشار الأسد. قال الشرطي: دخولك إلى ألمانيا غير قانوني. ” لقد اخترقت القانون بمكوثك بألمانيا أكثر من مدة الفيزا” . كان استخدام الشرطي لعبارة (خالفت القانون) مرتين في جملة واحدة بثقل صفعة على وجه يتيم.

اصطحبه إلى مكتب الشرطة. هناك، لم يبق صفحة في بقايا جواز سفره المسكين إلا وتم تصويرها؛ ولم تبق ورقة بصحبته إلا وأُخذ منها كذا نسخة.

بعد جهد لدى جهاز نطقه وخاصة حباله الصوتية، قال: ” هل بأمكاني أن أشرح سبب تأخري أو ما تسمونه ” كسر الفيزا ” أو اختراق القانون؟ وافقوا. شرح لدقائق. دخل الكلام من أذن وخرج من أخرى. عادوا وذكروا مسألة ( اختراق أو كسر القانون ” ” ) مرة ثانية.

قال دون استئذان: ” أنا مغادر ” لا أريد أن أمكث في بلدكم. أعرف ان تجاوز المدة المحددة للفيزا مسألة غير قانونية؛ ولكنني كنت مضطراً”. لم يأبه أحد بما كان يقول، لكن عبارة “قانون” حملت مرة أخرى تأثيراً يشبه تأثير الحمم التي تولدها قنبلة ذرية.

صرخ: نعم أنا خالفت القانون؛

وهل تعرفون فعلاً القانون؟

وهل سمعتم باختراق قوانين لم تبق حجراً على حجر في بلدي ؟

” لم أتأخر في بلدك، مجرد ساعات، وسأرحل إلى مكان آخر .- قالوا له : ” ولو دقيقة واحدة؛ إنه اختراق للقانون”. صرخ بطريقة ما تعودها من قبل:” دقيقة (يا ابن الحرام )؟! لقد فقدت وطني وعمري لا لدقيقة لكن أبدياً، ولا أحد يهتم أو يفتكر بما حدث ويحدث لي!! وأي قانون هذا الذي لا يتم تطبيقه إلا عليّ؟! هل طبقتم قانوناً على هتلركم ونازيته؟! هل طبقتم قانوناً على إسرائيل التي اغتصبت بلداً وشردت شعبه؟! هل طبقتم قانوناً على من استخدم سلاحاً كيميائياً في قتل شعبه؟! هل طبقتم قانونا على من يشاهد مجرما يدمر بلداً ببشره وحجره؟!

أجهش شرطي كان يسجل المحضر ببكاء مرير وضرب بيده لوحة مفاتيح الكمبيوتر أمامه وخرج. قُفل المحضر ؛ اصطحبوه الى الطائرة التي تمنى أن تحط بكوكب آخر. رحل؛ واستمرت رحلة العذاب؛ وأقسم ألا يذهب إلا إلى أحد مكانين: بيته في الوطن أو القبر.